رد: نظرات في الفقه والتاريخ ...
التفكير المنهاجي
العاطفية
إن لدى دعاة الباطل، لبراليين واشتراكيين، وقوميين، و"يسار إسلاميين"، وكل مزيج مريج من هذه الأصناف، نسقا واضحا لتحليل الواقع، ونقده، وتحليل التاريخ، ورسم مسار ممكن للمستقبل.
ونحن نبقى في عموميات مطالبنا الراقية، نعبر عنها بعواطفنا الجياشة الصادقة المشتاقة لغد الإسلام الأغر.
هذه العاطفية تلف في غلالة حانية متسامحة عذبة تاريخنا في نظر أنفسنا. فلا يزال منا من ينشد ضالته عند النموذج التليد على عهد هارون الرشيد. لا ينتبه لحظة أن هذا الملك، العظيم حقا في ميزان الدنيا، ليس في ميزان الإسلام وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ملكا عاضا يجرحه عضه ويسقطه عن مرتبة الاعتبار الشرعي.
بعاطفة الحزين على حاضر المسلمين الهزيل، نندفع لاستدعاء أمجاد "شوكة الإسلام"، وهو تعبير للإمام الغزالي برر به رحمه الله دفاعه عن المستظهر العباسي. نستدعي صورة ذلك العهد القوي سلطانا، نحسب أننا بذلك ننتقم لتفاهتنا الغثائية الحاضرة.
ما درينا أننا بإعزازنا للملك العاض الماضي نعز الملك الجبري الحاضر، ونعمل على تعمية آثار الهدي النبوي والوصية النبوية الكفيلين وحدهما، تعليما ينير معالم الطريق، وأوامر للتنفيذ، ونموذجا للاحتذاء، بإنهاء غثائيتنا:
حين نمشي على المنهاج، ونصحب، بالنظر الناقد الماسك على القول الشريف، تطور الأمر حين بدأ الصراع بين القرآن والسلطان
وحين غلب السيف
وحين غابت الشورى وغاب العدل واختفى الإحسان،
حين تفتت الفقه، وحين سيقت الأمة إلى التمزق فالاحتلال الاستعماري فبروز المغربين وجند الشياطين يعيثون في الأمة فسادا.
لا بد لنا إذن
من إرساء قواعدنا على مكين الكتاب والسنة لأن العاطفة المجنحة خبال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل لأن الحديث عن الحكم وسلطانه ما كان ليقبل والسيف مصلت، وما كان بالتالي ليعقل أو ينشر، إلا إذا احتمى في جزئيات "الأحكام السلطانية" التي تقنن للنظام القائم لا تتحدث عنه إلا باحترام تام، أو دخل في جنينات آداب البلاط المزينة بفضائل الأمراء وحِكَمِ الإحسان الأبوي إلى الرعية.
|