العوامل الغيبية التي حققت النصر في غزوة بدر:
1/ الرؤيا:
من العوامل الأولى التي كان لها توجيه لسير المعركة وتدخل في نتيجتها الرؤيا، التي فعلت فعلها بالتأثير في نفوس المشركين مرتين في هذه الغزوة. كانت المرة الأولى قبل تجهيز جيش المشركين ثم جاءت الثانية قبيل المعركة.
قال ابن إسحاق فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا: "وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي،
والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك به. فقال لها: وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد". وقد تحققت هذه الرؤيا حين جاء مبعوث أبي سفيان طالبا النفير لنصرة العير فكان لها وقع مؤثر في نفوس المشركين خاصة بعد تكذيبهم للرؤيا قبل تحققها.
رؤيا أخرى
أثرت في عزائم المشركين رآها جهيم بن الصلت حين أقبلت قريش ونزلوا الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان.
إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه.
فلنتصور الحالة النفسية لجيش مقبل على معركة حاسمة وهو يسمع هذه الرؤى التي تفت في عضده وتربك تماسكه..
كما تشهد على وضع الجيش القرشي الواقعة التالية: "قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاث مائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟ قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت، يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة، فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال وما ذاك يا حكيم؟ قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي، قال قد فعلت، أنت علي بذلك إنما هو حليفي، فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية. كما ظهر تفكك جيش المشركين حين رجع بنو زهرة إلى مكة ولم يقاتلوا.