رد: قصة الاندلس ...
صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات
أولًا: أنفة وعزّة في زمن عز أن تُشُمّ رائحتهما
كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجل واحد يملك عزّة وأنفًا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو "المتوكل بن الأفطس" أمير مملكة "بطليوس".
فرغم ذلك الجو المليء بالذل والخزي، ورغم أن مملكة "بطليوس" هذه كانت صغيرة جدًا، إلا إن "المتوكل بن الأفطس" لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتزّ بإسلامه ولم يقبل الذلّ كغيره من أبناء جلدته.
وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ "المتوكل بن الأفطس" أنه أرسل له ردًا عجيبًا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم الناس جميعًا أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزّة فهي كائنة لا محالة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته:
وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.
أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك "نافار" جد "ألفونسو السادس" قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا.
ويضيف "المتوكل بن الأفطس" قائلًا: أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت.
ما كان من "ألفونسو السادس" إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشًا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا "بطليوس"، لم يتجّرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعزّ الإسلامُ ورفع من شأن "المتوكل بن الأفطس" ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوّحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة.
ثانيًا: ضعف وخور وذل وهوان
لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس، ونحن لسنا في معرض الخوض في تفاصيل باقي الدويلات الاثنتين والعشرين؛ إذ هي موجودة في كتب التاريخ، ولكن نعرض لبعض الصور من باقي هذه الدويلات، تكفي لتصور الوضع في هذه الفترة، ومدى التدني الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس آنذاك.
والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في "سرقسطة" التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم "سرقسطة" المنيّة أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيًا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف.
يموت الأب وتمرّ الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسّم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم!!
لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همّه أن يظل ملكًا على دويلته، وملكه لا بدّ وأن يعود إلى حوزته.
|