لا يليق بالإنسان إلا أن يطلب العلم :
فصل في الرحلة في طلب العلم ؛ فعن صفوان بن عسال قال :
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على بُرد له أحمر فقلت له : يا رسول الله إني جئت أطلب العلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : مرحباً بطالب العلم ، إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب )) . [أحمد والطبراني عن صفوان بن عسال] .
أولاً أيها الأخوة ، الإنسان ميزه الله عز وجل على كل مخلوقاته بأن أودع فيه قوة إدراكية ، فإذا لم يهتم بها أو عطلها من تلقاء نفسه وباختياره هبط بمستوى لا يليق به ، لا يليق بالإنسان إلا أن يطلب العلم .
العلم جسر ينقل الإنسان من شاطئ الجهل والشقاء إلى شاطئ المعرفة والسعادة :
النقطة الثانية : أن الإنسان مجبول على خصائص واحدة :
﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .
( سورة النساء الآية : 1) .
أي حرصك على وجودك ، وعلى استمرار وجودك ، وعلى كمال وجودك عند البشر سواء ، بماذا يتفاوت البشر ؟ بالمعرفة ، فالذي عرف ينطلق من خلال معرفته ، لذلك والإنسان في النار يذوق ألوان العذاب ويقول :
﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ .
الفرق بين إنسان يُعذب بالنار ، ويتنعم بالجنان ، فرق العلم فقط ، لذلك لا يوجد طريق إلى السلامة والسعادة إلا والعلم أول مرحلة فيه .
بالمناسبة : العلم وسيلة وليس غاية ، العلم جسر ينقلك من شاطئ الجهل والشقاء إلى شاطئ المعرفة والسعادة .
لذلك الإنسان إذا تباهى بالعلم واتخذه حرفة ليستعلي به على الناس ، ليجادل به العلماء ، ليماري به السفهاء ، كان وبالاً عليه ، لأنه في الأساس وسيلة وليس غاية ، الغاية أن تسمو إلى الله ، الغاية أن تزكو النفس .
العلم وسيلة وليس غاية و العلم بالله علم نافع ومسعد في الدنيا والآخرة :
لذلك لا يوجد عمل بحياتك أشرف ، ولا أخطر ، ولا أجل ، وليس هناك من عمل يليق بك أكثر من أن تطلب العلم ، أي علم هذا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام دعا فقال :
(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعاء لا يسمع ، ويقول في آخر ذلك : اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع )) .
[أخرجه ابن ماجه وابن حبان عن أنس بن مالك ] .
دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى مسجد فرأى رجلاً تحلق الناس حوله سأل سؤال العارف قال : من هذا ؟ قالوا : هذا نسابة ، قال : وما نسابة ؟ قال : يعرف أنساب العرب ، قال عليه الصلاة والسلام : ذلك علم لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به .
العمر محدود ، والمهمة خطيرة ، يجب أن تختار من بين الكتب الكتاب المقرر ، يجب أن تنفق الوقت القليل في العلم الغزير ، والعلم كما أقول لكم سابقاً : هناك علم ممتع ، وعلم ممتع نافع ، وعلم ممتع نافع مسعد ، الآن أي علم ممتع على الإطلاق ، أما هناك علم غير عملي لا يدر عليك مالاً ، مثلاً إنسان اختص بتاريخ الإغريق ، لا يوجد أي وظيفة في البلد تحتاج إلى هذا الاختصاص ، أما إذا الإنسان اختص بعضو من أعضاء الإنسان الحساسة القلب مثلاً ، أو كان معه اختصاص نادر يمكن أن يأتيه باليوم عشرة آلاف ، باليوم الواحد يكون دخله قريباً من المئة ألف ، هذا صار علماً نافعاً ، أما ليس مسعداً ، لا يسعدك إلا إن عرفت الله .
فالعلم بالله علم ، ونافع ، ومسعد في الدنيا والآخرة ، أي علم مهما كان خطيراً ينتهي عند الموت ، ألم تقرأ بعض النعوات ؟ قد يكون عالماً كبيراً في أمور الدنيا ، بالفيزياء، بالكيمياء ، بالرياضيات ، بالفلك ، خبير وحيد متفوق ، حينما يأتيه ملك الموت انتهى علمه ، أما الذي عرف الله في دنياه يقطف كل الثمار بعد الموت ، يقطفها جميعاً .
من طلب العلم تكفل الله له برزقه :
فلذلك أيها الأخوة ، النبي الكريم يقول :
(( مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها )) .
[أحمد والطبراني عن صفوان بن عسال] .
أقول لكم هذه الكلمة :
(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي : أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين )) .
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ] .
من طلب العلم تكفل الله له برزقه ، بمعنى أن الوقت الذي تنفقه في طلب العلم هذا وقت مبارك فيه ، الله عز وجل يبارك لك ببقية وقتك .
كيف أنك إذا أنفقت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك ، وبارك لك في بقية مالك ، إذاً هناك حفظ وبركة ، لا يوجد تلف مال .
(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة )) .
[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ] .
مصادرات ، حرائق ، تلف ، دمار ، إتلاف المال سببه حبس الزكاة .
هناك شيء آخر : الإنسان إذا أدى زكاة ماله حفظ الله ماله ، وبارك له فيه ، مال قليل يفعل شيئاً كثيراً ، هذه البركة ، شيء قليل ينتج عنه شيء كثير ، يقاس إنفاق الوقت في طلب العلم على إنفاق المال ، فمن أنفق بعض وقته الثمين في طلب العلم ، حفظ الله له بقية وقته وبارك له فيه ، تجد إنجازه غير معقول ، ينجز في وقت قليل الشيء الكثير ، لأنه طلب العلم ، ومن طلب العلم تكفل الله له برزقه .
رتبة العلم أعلى الرتب :
لذلك رتبة العلم أعلى الرتب ، دائماً العالم له أعلى مرتبة في أي مكان بالعالم ، الآن الدول العظمى التي تنفرد في قيادة العالم اليوم ، كيف يتخذ القرار في أعلى مستوياتها ؟ برأي الخبراء ، لا يوجد إنسان بمنصب خطير إلا وحوله خبراء وعلماء ، حوله مستشارون يقدمون له الحقيقة ، فالعالم في الحقيقة هو الذي يحكم العالم ، إذاً هذا في الدنيا أما إذا أردنا أن نصل إلى الله لا بدّ من العلم .
أحد علماء دمشق حدثني ، له والد توفي قبل عامين أو ثلاثة ـ رحمه الله ـ يقول له يا بني حينما كان صغيراً : والله لو علمت أن كيس القمامة يوصلك إلى الله لجعلتك زبالاً ولكنني أعلم علم اليقين أن العلم وحده يوصلك إلى الله ، العلم وحده ، لا يوجد غيره ، أي طريق آخر طريق غير شرعي ، لأن النبي يقول :
(( إنما العلم بالتعلم )) .
[ أخرجه الطبراني عن معاوية ] .
فأنت حينما تتعلم تعرف من أنت ، تعرف أنك المخلوق الأول ، تعرف أنك المخلوق المكرم ، تعلم أنك المخلوق المكلف ، ما التكليف ؟ طاعة الله .
على الإنسان أن يطلب العلم بالله حتى يطيعه والعلم بمنهجه حتى ينفذ طاعته :
الآن من مظاهر الجهل في العالم الإسلامي أن هذا الدين العظيم الذي هو سبب رقينا جميعاً انكمش وصار صوماً ، وصلاة ، وحجاً ، وزكاة فقط ، وتؤدى هذه العبادات والمعاملات بشكل غير إسلامي ، البيوت غير إسلامية ، والتجارة غير إسلامية ، والاحتفالات غير إسلامية ، والتعازي غير إسلامية ، كل حركة الإنسان غير إسلامية ، أما يصلي ، يصوم، ويحج ، ويزكي ، أما المنهج عبارة عن مئة ألف بند ، مليون بند ، كل حركة ، وكل سكنة بحياتك لها حكم شرعي ، فالإنسان عندما يطلب العلم يطلب العلم من الله أولاً ، والعلم بمنهج الله ثانياً ، يطلب العلم بالله حتى يطيعه ، ومنهجه حتى ينفذ طاعته .
فلذلك أيها الأخوة ، الإنسان عندما يتوهم أنه أضاع من وقته وقتاً ثميناً لأنه حضر مجلس علم يكون في حضيض الجهل ، لأنك عندما تحضر مجلس علم ، تعرف من أنت ؟ ولماذا أنت هنا ؟ وماذا كنت من قبل أن تأتي إلى هنا ؟ وماذا بعد أن تنتهي الحياة ؟ كيف تتزوج ؟ كيف تتاجر ؟ في أي بيت تسكن ؟ كيف تربي أولادك ؟ هذا كله يحتاج إلى علم .
أنا أذكر السلف الصالح قبل خمسين سنة أو أكثر ، لا يوجد تاجر في الشام إلا وله مجلس علم من العصر إلى المغرب ، أو من المغرب إلى العشاء ، مجلس علم يومي والعشاء يكون في بيته ، لا يوجد إنسان يتحرك من دون علم .
العلم سلاح الإنسان و حارسه :
النقطة الدقيقة أنك لست إنساناً سكونياً ، أنت كائن متحرك ، ما معنى متحرك ؟ أي يوجد فيك شهوات ، وهناك شهوات قوية جداً ، هناك شهوة الطعام والشراب ، وشهوة النساء ، وشهوة العلو في الأرض ، والشهوات موجودة في كل إنسان ، هذه تجعلك كائناً متحركاً ، فإن لم يكن هناك مقود فالهلاك حتمي ، حركة الإنسان نحو أن يقضي شهوة البطن أو شهوة الفرج من دون منهج بالسجن ، الآن أي شخص يرتكب جريمة من أجل المال يُحكم بالإعدام ، يزني من أجل أن يقضي شهوته يُفضح وينتهي ، فكل إنسان يتحرك بلا منهج يتحرك نحو هلاكه ، فالعلم هو السلاح ، والعلم هو الحارس .
قال : يا بني العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، المؤمن بالعلم يتوقى كل المعاصي ، إذاً يسلم ، يهديهم سبل السلام ، الآن على مستوى قوانين دولة ؛ المواطن الذي يلتزم بالقوانين كلها مواطن حر ، طليق ، محترم ، في أي مجتمع ، والإنسان عندما يخالف القوانين التي وضعها إنسان يفقد حريته ، يفقد مكانته أحياناً ، فأنت مع إنسان إذا طبقت الأنظمة والقوانين تشعر بحرية وطلاقة .
المؤمن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
إذاً قال تعالى :
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾ .
( سورة الفرقان الآية : 63 ) .
ببطء ، مع أن النبي الكريم كان يمشي بسرعة ، كان إذا مشى كأنه ينحط من صبب ، سيدنا عمر كانت تقول عنه السيدة عائشة : " رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه ، كان إذا سار أسرع ، وإذا أطعم أشبع ، وإذا ضرب أوجع ، وإذا قال أسمع " .
فبحسب السنة والسيرة الصحابة الكرام والنبي على رأسهم كانوا إذا ساروا أسرعوا ، والآية عكس ذلك : ﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، معنى ﴿ هَوْناً ﴾ ، أي لا يسمحوا لمشكلات الحياة أن تستهلكهم ، يقف ، يتأمل ، هناك شخص كأنه يعمل بلا تفكر ، عمل ، عمل ، عمل ، يأتي ملك الموت فجأة فيندم أشد الندم ، وهناك إنسان يفكر إلى أين ؟ ماذا أفعل اليوم ؟ يعمل توازناً ، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله ، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتربية أولاده ، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لحضور مجالس العلم ، يقتطع من وقته الثمين وقتاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتلاوة القرآن ، يقتطع ، أي يمشي هوناً ، أحياناً الإنسان بساعة غفلة تستهلكه الحياة ، يصبح كماً مهملاً ، رقماً لا معنى له .
والله قال لي إنسان : يا أستاذ من ثلاثين سنة لا أعرف غير معملي وبيتي ، والله يعمل عملاً أنا أخجل أن أقول لكم ، كالدابة ، ليعطي أهله الأموال الطائلة كي يلبسوا ، و يتفلتوا، ويذهبوا إلى أي مكان يشاؤون وهو يعمل لا يفكر أنا أعمل لمن ؟ من أجل أن يرتكبوا المعاصي والآثام ؟ لا يعرف شيئاً اسمه راحة ، قال لي : يومياً عنده نظام ، بمحله وقت ، بمعمله وقت ، ببيته وقت ، لا يملك وقتاً إطلاقاً ليتحرك حركة لحضور مجلس علم ، أبداً ، حتى يؤمن لأهله هذا الدخل الكبير ، هذا ما مشى هوناً الحياة استهلكته ، أحياناً الإنسان يعجب بعمله ، يتفوق فيه لدرجة أنه عبد عمله ، جعل عمله إلهاً ، ونسي صلواته ، ودينه ، وآخرته ، وأعماله الصالحة ، الإنسان يجب أن يكون دقيقاً لا ينزلق ، لا يصبح كماً مهملاً ، أو يصبح غلطة إنسان ، الخلاص في العلم ، لا العلم بذاته العلم كوسيلة ، هنا النقطة دقيقة الخلاص في العلم كوسيلة لا كغاية ، كغاية أصبح انحرافاً ثانياً .
وعامل بعلمه لم يعملن معذب من قبل عبد الوثن
***
مَن سَلَكَ طريقا يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة :
إذاً : عن صفوان بن عسال قال :
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر فقلت له : يا رسول الله إني جئت أطلب العلم فقال عليه الصلاة والسلام : مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب )) . [أحمد والطبراني عن صفوان بن عسال] .
وهناك حديث آخر يدعم هذا الحديث :
(( مَن سَلَكَ طريقا يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة )) .
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ] .
إذا الإنسان خرج من بيته ، وارتدى ثيابه ، وذهب إلى بيت من بيوت الله ليطلب العلم ، هذا الطريق ينتهي به إلى الجنة ، أوله من بيته ، وأول محطة في المسجد ، وآخر محطة في الجنة ، بيته ، المسجد ، الجنة .
(( مَن سَلَكَ طريقاً يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة )) .
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ] .
لأنه سيتعلم ، وأنت لا تستهين بالعلم ، الإنسان يحب نفسه ، يحب ذاته ، وحريص على سلامته ، فعندما يعرف أين سعادته يسلك هذا الطريق ، أنت فقط تعلم ، تتراكم المعلومات والحقائق ، أنا أقول لكم : كميزان في الكفة الأولى يوجد الشهوات ، و في الكفة الثانية المعلومات ، كلما تراكمت المعلومات غلبت الشهوات ، افرض الشهوة خمسة كيلو ، والمعلومات خمسة غرامات ، قرأ كتاباً ، قرأ صفحة قرآن ، فكلما علمه تراكم ، تراكم ، أصبح يرافق شهواته ، لذلك الإنسان حينما يطلب العلم يقوى على نفسه ، والصحابة الكرام كانوا قدوة لنا .