الصور الجغرافية المقدسّة: سلوان، زمزم، الصخرة:
تشكل الينابيع المباركة إحدى هذه الصور الدلالية الجغرافية للمقدس في الإسلام، فليس المقصود في هذه الآليات «معنى» الماء بل «معنى معناه»، فصورة «عين سلوان» نبع القدس الشهير، وصورة عين «زمزم» الذي يقول المسلمون إن ماءها العذب لا يجف لأنه موصول بالجنة، كلاهما من الصور الجغرافية الإسلامية الرمزية التي ينبني أساسها على الترابط ما بين قدسية الكعبة والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فتتبادل العينان المباركتان: سلوان (في القدس) وزمزم (في مكة) الوظائف، وتتكرران فيما بينهما، وتوحي الأحاديث النبوية الشريفة بهذه الحميمية ما بين العينين، وتأسيساً على هذا التصور يقول الشاعر العربي أبو العلاء المعري:
وبعين سلوان التي في قدسها.. ... .. طعم يوهم أنه من زمزم
وتستمد الصخرة الشريفة مكانها القدسية من موقعها في رحلة الإسراء والمعراج النبوية التي أسرى فيها الملاك «جبريل» بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلاً على «البراق» من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، ومن «الصخرة» في هذا المسجد «عرج» الله تعالى به إلى السماء، وهو ما رسخ في الفكر الإسلامي إلى الأبد موقع القدس كبابٍ للسماء.
وهناك روايات عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفضائل تقول: «القدس هي الأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين، لأن كل ماء عذب في الأرض منها يخرج من أصل الصخرة التي في بيت المقدس، يهبط من السماء إلى الأرض، ثم ينصرف في الأرض، وهكذا تكاد الصخرة هنا تأخذ موضع مركز العالم وهو ما تؤكّده بعض الروايات عن الصحابة والتابعين: أن «صخرة بيت المقدس وسط الدنيا» (بلفظ مقاتل)، وروي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجيباً عبد الله بن سلام عن سبب تسمية مسجد القدس بـ «المسجد الأقصى» قال: «لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئاً ولا ينقص».
كما أن الصخرة هي في أصل ممر ماء الحياة وتدفقه إلى البشر، فإنها في أصل البشر أنفسهم، بوجود رأس آدم أبي البشر عندها كما تذكر بعض الروايات الضعيفة، ومن هنا يذهب بعض المفسرين إلى أن إبراهيم الخليل قد اختار حين أراد أن يمتحن اللهُ صحة إسلامه الصخرة الشريفة مكاناً للتضحية بولده، حيث تم فداؤه في اللحظة الأخيرة بكبش سمين، أصبح فيما بعد يشكل أصل احتفال المسلمين جميعاً في شتى بقاع الأرض بعيد الأضحى، أو ما يسمى بتسمية رمزية دالة بـ «العيد الكبير» الذي يقع خلال موسم الحج السنوي إلى مكة، مع أن حادث الفداء لم يقع في مكة بل في القدس فوق الصخرة، وإن في الاحتفال بنحر الخراف التي أحل الله أكلها استعادة رمزية لحادث الافتداء.
أخيراً فإن القدس ترقد في صلب الرؤية الإسلامية لـ «نهاية العالم» (القيامة)، وفي آخر الزمان في الاعتقاد الإسلامي يعود المسيح (عيسى ابن مريم) ليقضي على المسيح الدجال أو الأعور الدجال، وينهي طغيانه وعجرفته وفساده، وتمثل القدس مركزاً يختتم به المشهد الدنيوي، ويبدأ به المشهد الأخروي فعن النبي (صلى الله عليه وسلم ): قال «[هو] أرض المحشر والمنشر».
في عودة المسيح عندما تظلم الدنيا، وينتشر الكفر الذي يسيطر على يد (الدجال) يلتجئ المسلمون إلى القدس، فينقدهم المسيح (نبي الله) من المسيح الدجال، ويقتله عند باب لد في القدس، والمسيح الدجال ليس من المسلمين، وجميع المسلمين سيتبعون لزوماً المسيح ابن مريم عليه السلام في بيت المقدس، وسيكون المسيح عيسى بن مريم إمامهم في الصلاة، وهو ما تذهب إليه الروايات، حيث يعود ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، وبذلك يكون الظهور الأخير للمسيح بمثابة استعادة للوحدة الأصلية للدين.
وتبدو رحلة الإسراء والمعراج النبوية إلى القدس، ومنها إلى السماء، وكأنها استعادة لرحلة النبي إبراهيم الخليل من الخليل إلى الكعبة ومن الكعبة إلى الخليل، وترسخ هذه الاستعادة الربط القدسي ما بين البيت الحرام والمسجد الأقصى بوصفه مركز الأرض المباركة، والتي كانت إسراء أرضيا سبق رحلة «إسراء» النبي صلى الله عليه وسلم من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى ومنه إلى السماء، لتكتمل الدائرة القدسية ما بين رحلة الجد الأول إبراهيم من الأرض المباركة إلى المسجد الحرام إلى الأرض المباركة، كانت رحلة الرسول رحلة مختارة بعناية إلهية ربطت ما بين عقائد التوحيد الكبرى، من لدن إبراهيم وإسماعيل إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم النبيين، كما أنها ربطت ما بين الأماكن المقدسة في ديانات التوحيد كلها، وكأنما أريد بهذه الرحلة على حد تعبير سيد قطب أن تعلن وراثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ محمد لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بهم جميعاً.
ويمكن القول إن الإسلام قد تأسس روحياً في إسراء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة المشرفة إلى القدس، قبل أن يتأسس تاريخياً ومدنياً في الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، ثم كانت العودة الصحراوية إلى مكة المشرفة للتركيز على الإيمان الجامع.
لقد انغرست القدس من خلال هذه الرحلة على نحوٍ أكثر تركيزاً وبشكل نهائي في الجغرافيا الإسلامية المقدسة، فكانت بمثابة خيط مقدس ربط نهائياً ما بين القدس ومكة والمدينة في قلب هذه المساحة القدسية الإسلامية، حيث ترابطت أطرافها في رباط تمتد نهايته القصوى إلى السماء.
المرجع:: أسلام ويب
اتمنى أن تقرأوا الموضوع جيدااا والله سوف تعلمون كم هى القدس الحبيبة شريان القلب للمسلم فى كل مكان
أقرأوة بقلوبكم وعقولكم معاًًً
لا تضع الرد قبل أن تقرأ
من فضلك
م/ن للأمانة