رد: نعاج تحت المطر
ابو قنوه هذه النعاج منذو خمسون عاما وهى تحت المطر
لله درك يا ابو قنوه
صفحات من الحرب الاهلية الاسبانية
حميد المختار
لابد لنا ونحن نعيش مآسينا اليومية في بغداد من حرب خطف وقتل وذبح وتفجير وتهجير.. اقول لابد لنا ان نستذكر مآسي العالم وما مر بشعوبها من ويلات ومحن سببتها الحروب الاهلية العرقية والطائفية والشوفينية علنا نعتبر ونستلهم الدروس لاننا والحال هذه نقف على حافة الهاوية التي ستؤدي بنا الى مهاوي الردى
وعلى الدرب فلسطين
لو اننا بقينا هكذا نغرس رؤوسنا في الرمال مغمضين اعيننا عما يجري حولنا من مآساة يومية، يبتدىء مؤلف الكتاب طارق زيادة صفحات الكتاب الاولى بمقطع مجتزأ من اساطير الاغريق يقول فيها: لما اعتزمت اثينا شن الغارة على اسبارطة رأى القائمون بالامر فيها ان يسالوا الوحي في نتائج ما قرروه فلما هل الهلال قصدوا اليه في (دلف) ووقفوا بباب مغارته فناداه احدهم قائلا: (خبرنا ايها العالم بالغيب، هل كتب لنا النصر فيما نحن ماضون اليه؟) فجاءهم من جوف المغارة صوت يقول:
ـ ايها الناس لا تفعلوا وتجنبوا ويلات الحروب فاني اسمع المغلوب يبكي وارى الغالب يشق الجيوب، ولكنهم اصموا اذانهم عن صوت الحكمة وركبوا مركب الشهوات فزجوا بالرعية في حرب تلتها حروب، ولما اهاب بهم سقراط ان يكفوا عن الغزوات (لانها مخلة بشرف الرجل الحر ولان كل الحروب حروب اهلية يقتل فيها الانسان اخاه الانسان او يعرض نفسه لضربات اخيه القاضية) لم يأخذوا بنصحه، وما انفكوا يحاربون يصفقون ظافرين او مغلوبين حتى ذهبت ريحهم وضعفت شوكتهم...) اسبانيا في مطلع الثلاثينيات خمسمئة وثلاثة الاف وواحد وستون من الكيلومترات المربعة.. والنفوس اقل من اربعة وعشرين مليونا من الاشخاص بقليل نصفهم من الاميين وثلثهم من الفقراء ومليونان من الفلاحين دون ارض وعشرون الفا من الاسبان يملكون نصف بلدهم ومقاطعات باسرها ملك لشخص واحد، والدخل اليومي للعامل يتراوح بين بيزيت واحدة الى ثلاث في حين يبلغ ثمن كيلو غرام الخبز بيزيتا واحدة، اما الكنيسة فقد كانت بالغة القوة فيها عشرون الفا من الكهنة وواحد وثلاثون الفا من الخوارنة وستون ألف راهبة وخمسة الاف دير، وفي الجيش خمسة عشر الفا من الضباط بينهم ثمانمئة من الجنرالات بمعدل ضابط واحد الى ستة جنود وجنرال لكل مئة من العسكر، والملك هو الفونس الثالث عشر، العاهل الرابع عشر منذ ايزابيلا الكاثوليكية وهو متعب ومغلوب على امره، اما الحكومة فديكتاتورية قادها ريفيرا من سنة 1923 الى سنة 1930 بيد من حديد، الا انه ما لبث ان تألبت عليه القوى جميعا حتى الارستقراطية والبرجوازية فانسحب وعاش في باريس بضعة اشهر وتوفي بعد مرض هذه إذاً كانت حال اسبانيا قبل الحرب الاهلية بقليل وهي حال مهيأة كما.. لو انها ساحة ميدان معدة لاستقبال الذبائح التي ستنحر على هذه الارض، وشيئا فشيئا وعلى اثر نتائج الانتخابات بين القوى السياسية وبعد ان ربحت الجبهة الشعبية الانتخابات باربعة ملايين من الاصوات ضد ثلاثة ملايين ونصف المليون لليمين ونال اليسار بذلك الاكثرية المطلقة في البرلمان الاسباني،، استولى الفلاحون على الاراضي غير المستغلة واطلق عمال المناجم المعتقلون في سجون وزيدت الاجور بنسبة 15% وخربت مئتا كنيسة ووقعت 300 حادثة اغتيال سياسي وحصل مئة وثلاثون اضرابا عن العمل ونهبت مراكز عشر صحف (وفرض الفوضويون اسلوبهم وعاشت مدريد منذ ايار 1936 وحتى بداية الحرب الاهلية في تموز من ذات العام في وضع فوضوي كالذي يعيشه العراق الان، وفي القرى تكاثرت هجمات العناصر المسلحة ضد اهل اليمين زراعيين وراديكاليين وضد ارباب العمل وجرى الاستيلاء على الاراضي وسددت الطعنات الى الخصوم وهوجموا تحت حجة انهم فاشيست ونظمت المذابح للناس بحجج مختلفة، منها انه اشيع ان نساء كاثوليكيات ورجال دين قتلوا اطفالا بان وزعوا عليهم حلوى مسمومة وعمت موجة من الجنون الجماعي الاحياء الشعبية حيث جرى حرق الكنائس وقتل الكهنة ونساء بائعات للحلوى في الشوارع ووصل الامر الى رجال العلم والتربية فقتلت معلمات واغتيل مثقفون وشعراء، ولم يعد احد بمنجى من الموت سواء الاغتياء او الفقراء ارباب العمل او العمال والضباط او الحرس المدني، الكهنة او الراهبات، وقتل سبعة الاف وتسع مئة وسبعة وثلاثون من رجال الدين بعضهم حرقا وهو حي ومات مئتا الف شخص في اسبوعين ووقعت الجريمة في غرناطة وقتل الشاعر الجمالي لوركا الذي كان يحب جنائن غرناطة وكروم زيتونها وهوائها ويقول:
اخضر انت الذي احبك يا اخضر
والذي كان يقول: اذا انا مت، فدع شرفتي مفتوحة.
مات لوركا صريعا في الارض العطشى التي غناها في جوار غرناطة التي اوصى بان يدفن فيها منذ مطلع صباه: (عندما اموت ادفنوني اذا شئتم في مهب الريح، عندما اموت) وفي مهب الريح دفن ذائقا ليل الرعب (الذي يجرحني عن بعد بسيوف جد طويلة) ويسرع كتاب من كل مكان ليروا والماساة الاسبانية وينقلوا شهادات عنها الى صحف العالم باسره امور مرعبة كتب الروائي الفرنسي اكزوبري لان حرب اهلية ليست حرب انها مرض، في الحرب الاهلية، العدو داخلي، الحرب ضد الذات تقريبا ولهذا بدون شك تأخذ هذه الحرب شكلا رهيباً: يرمى بالرصاص اكثر مما يحارب، الحرب هنا محجر، يجري التطهر من حملة البذرة، يرمى بالرصاص كماتقطع الغابة) ثم صلت قسوة القلب واللا ابالية بموت الناس الى ذروتها تماما كما نمر بها اليوم حين نسمع بموت جماعي للابرياء سواء بالذبح او بالسيارات المفخخة او بالخطف والتمثيل بالجثث وها هو احد شهود العيان من المثقفين يقول: وجهت النعاج ـ يقصد البشر طبعا ـ نحو الشاطىء حيث رميت بالرصاص بتمهل، راسا راسا تحت اشراف العسكر وعندما ينتهي العمل يضعون النعاج في كومة، نعاج برأت روحها واخرى لم تبرا ثم يرشون عليها الوقود انه لمن الممكن ان يكون هذا التطهير بالنار قد اتخذ عندها، بالنظر لوجود كهنة الخدمة، معنى الطقس الديني، وها هو من يثور ضد مواطنيه غير المتحسسين بالالام الانسانية التي صارت لديهم شيئا عادياً ومالوفا: (هذه الجثث التي نراها كل الايام في السينما (اليوم في الفضائيات) بين منظر مباراة في كرة القدم ومشهد استعراض على الجليد، لا صرخة لا تنهيدة تصعد من الجمهور المسترخي، اذا كنا لا نستطيع ان نفعل الا اذا كان مصيرنا في مأزق، فهذا هو وقت الاستشاطة غضبا ايها الناس الطيبون) وظل المشهد قائما فقد خيم الاف الاشخاص في العراء تحت المطر واقيمت البيوتات بكراس حول طاولات وادوات مطبخ وفرش واسرة، بيوت بدون جدران، بدون سقف (المهجرون الان في بغداد والمحافظات) عشرة الاف شخص يعيشون تحت المطر (بغداد في الحر الشديد) البيوت ملانة وكذا الارصفة والمغاور وماوي الكلاب ووسط الخراب كانت النسوة تفتش عن اطفالهن الصارخين ويقول اوكزوبري: (مدريد تنام او تتظاهر بانها تنام، ليس من نقطة مضيئة فيها ليس من ضجة، والضجيج الاصم الذي نسمعه كل دقيقتين يتصاعد في صمت الموت، وتعلن اذاعة الدكتاتور فرانكو (اسبانيا ليست بالابنية ولا في المدن انها في الافكار) وفي عبقرية فرانكو، اننا في حرب الى الامام حتى فوق اشلاء موتانا).
اخيرا اقول اذا اعجبتكم هذه المشاهد وتلك الارقام وهذا الموت الاسود، يمكنكم اذا ان تديموا النار وتقيموا ولائم الحرب وتدخلوها باجسادكم المحترقة، فالعراق لم يعد كما كان انه عبارة عن مقابر جماعية عفوا اقصد قولا لاحد الكتاب الاسبان يقول: (اسبانيا لم تعد اسبانيا، انها حفرة عمومية، مقبرة واسعة، حمراء مقصوفة، هكذا ارادها البرارة) وهكذا يخطط لها الان الارهابيون ومن يقف وراءهم ولكننا نقول هكذا هو العراق سيكون وكما في كل مرة يكبو لكنه ينهض من جديد كعنقاء الزمان....
|