![]() |
من سورة النساء..لغلو في الدين – الآية 171 .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين . أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء آية هي الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله تعالى : وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول : "إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم "، الغلو في الدين . يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام السابقة ، فما هو الغلو في الدين ؟. أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل ، إن في الدين كليات ثلاث . - كلية العقيدة ... - كلية القلب ... - كلية السلوك ... فالإنسان له عقل ، وغذاؤه العلم ، وله قلب وغذاؤه الذكر ، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع . هذه الكليات الثلاث ، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير طبيعي ، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين ، فهذا هو الغلو في الدين . يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك ، أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك ، أو أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل . حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً ، هذا هو الغلو في الدين ، فهذا الذي يظن أن الفكر كل شيء ، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه ، وقع في الغلو ، وهذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً ، ويهمل إغناء عقله بالحقائق ، وإغناء قلبه بالذكر ، وقع في الغلو . هذا نوع من أنواع الغلو ، لذلك نحن أمام تطرف ، وأمام تفوق ، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً ، فنحن أمام التفوق . وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ، كانوا متفوقين ، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل ، فرساناً في النهار ، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . أحد الرسل ، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على أذربيجان ، فقَدِم المدينة ليلاً ، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين في الليل ، فتوجه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ، ظلامٌ دامس ، في هذا المسجد سمع رجلاً يناجي ربه ، يقول يا رب : هل قبلت توبتي لأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها ، فقال هذا الرسول : من أنت يرحمك الله؟ قال : أنا عمر ، فقال الرسول : يا سبحان الله ، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : إني إن نمت ليلي كله ، أضعت نفسي أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي ، إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل . ثم تابعا إلى أن أذن الفجر ، فصلَّيا ، ومن باب التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته ، وقال : يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت : واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح ، فقال : هاته ، فأكل سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح ، وكان قد خيره ؛ أتأكل عندي في البيت ، أم مع فقراء المسلمين ، طبعاً مع فقراء المسلمين هناك اللحم ، أما في بيت خليفة المسلمين خبزٌ وملح ، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير المؤمنين متميّز . وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه ، وقال : قرقر أيها البطن أو لا تقرقر ، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، فلما انتهيا من تناول الطعام ، دعا سيدنا عمر ، فقال : الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا ، وأسقانا فأروانا. ثم التفت إلى هذا الرسول ، قال يا هذا : ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال : معي علبةٌ فيها حُلْوٌ من أذربيجان ، هديةٌ من عاملك ، قال : أو يأكل عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال : لا ، هذا طعام الخاصة ، الطبقة الغنية ، قال يا هذا : أَوَ أعطيت فقراء المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال : لا : هذه لك وحدك ، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين ، قائلاً له : كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟ ، وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة ، وقال : حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها فقراء المسلمين . الغلو في الدين ، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛ أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق ، فكان أصحاب رسول الله متفوقين ، لأن الجوانب الثلاثة ، نمت عندهم نمواً متوازياً . أما حينما ينمو جانب على حساب جانب ، فهذا هو التطرف ، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين ، وليس في خدمة المسلمين . شيءٌ آخر ، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين ويجعله أصلاً ، هذا أيضاً تطرف ، هناك من يتعصب لفئةٍ أو لجماعةٍ ، أو لشخص ، أو لعصرٍ ، هذا إذاً تطرف ، وغلو في الدين ، التعبير الحديث "تطرف" ، أمّا التعبير القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ ، أو لجماعةٍ ، أو لرجلٍ ، أو لعصرٍ ، أو لحقبةٍ ، مع أن الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن يحتكره ، ولا جماعةٌ ، ولا فئةٌ ، ولا أمةٌ ، ولاشعبٌ وبلدٌ ، ولا مصرٌ ، ولا عصرٌ ، ولا حقبةٌ . دين الله لا يحتكر ، دين الله لعباد الله ، فمن تعصب ، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين ، فقد تطرف ، وغلا في الدين . إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم ، هذا ورد عن رسول الله . إخوانا الكرام ؛ لقد قال الشيطان : "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ثم لا تجد أكثرهم شاكرين ". ( سورة الأعراف : 17 ) أحيانا يقول لك شخص : يا أخي كنت غارقًا في المعاصي ، ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً ، فلما اتجهت إلى الله اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء . " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " ( سورة العنكبوت : 2 - 3 ) فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة ، حينما يحل التحديث محل الدين الصحيح ، فهذه دعوةٌ شيطانية ، هي " من بين أيديهم ". أما : "ومن خلفهم "، حينما ينشأ مجتمع على عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان ، أو أشياء لا ترضي الله عز وجل ، كسب المال حرام ، وإنفاق المال ، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال ، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة أيضاً دعوة شيطانية . كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ هناك ستة جهات ؛ أمام ، خلف ، يمين ، يسار ، فوق ، تحت . الآن أول جهة الأمام ، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء المستجدة ، والبدع محل الدين الأصيل . ثم " من خلفهم "، الدعوة إلى التمسك بالتقاليد البالية المخالفة للدين ، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات ، ثم يقول : نحن تربينا على هذا ، وهكذا نشئنا ، وهكذا العادات ، وإلاّ تكلَّم الناس علينا . الدعوة إلى الجديد "من بين أيديهم" ، الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع، "من خلفهم" . أمّا "عن إيمانهم " ، فنجمِّدها قليلاً ،لكن : " وعن شمائلهم "، الدعوة إلى المعاصي ؛ الزنى ، والسرقة ، وشرب الخمور ، والملاهي ، إلخ ... أما ... "عن أيمانهم" ، الشيطان يأتيك من قبل الدين ، عن طريق الغلو ، فالغلو في الدين ، مَن المنتفع منه ، الشيطان ، المسلمون حينما يتفرقون ، ويتخاصمون ، ويتفتتون ، ويضعفون ، مَن الرابح الوحيد في هذه المعركة ؟ الشيطان ، ومن المنتفع ؟ الشيطان ، لذلك "من بين أيديهم" الغلو في الدين . يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً ، أو يأخذ أصلاً فيضخمه ويجعل منه الدين كله ، أو يتعصب لجماعة ، أو لفئة ، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية ، سأقول مبدئياً : لا ينتفع منها إلا الشيطان . يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ ، جهة " فوق " ما ذكرها القرآن الكريم ، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم ، قال ، ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " ، فقط . إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة تحت . قال العلماء : جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع الشيطان أن يأتيك من جهة السماء ، يعني إذا اتجهت إلى الله أحرقت الشيطان ، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منك ، ولا أن يلقي في قلبك أو نفسك شيئاً ، ولا أن يوسوس لك ، لمجرد أن تتصل بالله عز وجل ، "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق " (سورة الفلق : 1 - 2 ) (سورة الناس : 1 - 2 -3 - 4 ) "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ، فاستعذ بالله إنه سميع عليم ، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ". ( سورة الأعراف : 200 - 201 ) هذا طيب ، وجهة تحت ، لماذا أغفلها الله عز وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل ، الإنسان حينما يفتقر إلى الله ، لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله ، ومن جهة القرب من الله ، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك منهما ، لكن "من بين أيديهم " شيء حديث ، أجهزة حديثة ، اتصالات ، لقاءات ، حفلات مختلطة ، مثلاً ، وسفور ، وعمل المرأة في الحقل العام ، أشياء لم تكن من قبل . "من خلفهم " تقاليد بالية ، الأخذ بالثأر مثلاً ، كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان . "عن أيمانهم " من طرف الدين وناحيته ، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه ، وأن يهلكه عن يمينه ، أحياناً بالوسوسة ، وأحيانًا بالابتداع ، وأحيانًا بالحقد على بقية المسلمين ، أو بالتفرقة بينهم ، وأحيانًا بالتعصب لجهة ، أو لجماعة ، أو لفئة ، أو لشخص ، وتكفير من سواهم ، "ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ثم لا تجد أكثرهم شاكرين" . إذاً يا أهل الكتابلا تغلوا في دينكم ، الكلام لأهل الكتاب ، والمقصود الآن المسلمون ، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام : إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم، الغلو في الدين خطِرٌ خطرًا مدمِّرًا . يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً ، أو أن تضخم أصلاً فتجعله ديناً ، على حساب الفروع الأخرى ، أو على حساب الكليات الأخرى ، وبهذا يتمزق الإسلام ، ويتطرف الناسُ فيه ، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته . والحمد لله رب العالمين لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي |
رد: من سورة النساء..لغلو في الدين – الآية 171 .
بارك الله فيكِ عفراء
|
الساعة الآن 06:02. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. , Designed & TranZ By
Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
جميع الحقوق محفوظة لشبكة و منتديات صدى الحجاج