![]() |
رماد جثث خالدة
قصة قصيرة
( فيلسوف القصة ) رن جرس المنبه كما تعود في الصباح ، فاستيقظ بعنفوان ، يتأمل حلته الرسمية ، وأوسمته الذهبية ، ويتثاءب ويتنطع كالذئاب ، ثم نهض متجهاً نحو الحمام ، بينما حارسه المدجج بالسلاح يضع الجرائد اليومية ، وينصرف قبل أن يناله الجزاء ، من سيادة اللواء . خرج الرجل وقد شب في جسده نشاط ، وجلس على حافة الفراش ، يقلب الجرائد اليومية ، وإذا به يفاجأ بصورته في صدر الصفحات، وكتب عليها عنوان ( اليوم الذكرى السنوية لموت سعادة اللواء ، وسرادق العزاء في كل البلاد ) داهمته دهشة ، أدركه استغراب ، وراح يتمتم قائلاً : - كيف أموت وأنا لا زلت على قيد الحياة ؟! فراح يمسك جواله ويدق رقم رئيس التحرير وهو في قمة الاستياء ، ولما جاءه المجيب قال في استعلاء : - كيف يا هذا تنشر مثل هكذا أخبار ، أنت تدعي إني ميت ، ولكني لا زلت على قيد الحياة ؟؟!! فرد عليه رئيس التحرير بصوت مرتعشاً مرتاب : - يا سيدي ربما إنك لا تعلم ولكن صار هذا منذ عشرات السنوات !! ازدادت دهشة الرجل فأنهى المكالمة وراح يجيء في الغرفة ويذهب ، وهو يصيح بصوت مشروخاً مثل قطع الزجاج : - كيف إني ميت ، ولا زلت على قيد الحياة ؟!! فراح يمسك بالهاتف ويدق الأرقام ، ويطلب الأصدقاء ويأتيه العزاء تلو العزاء : - أحسن الله عزاءك ، يا أعز الأصدقاء فيصيح فيهم بالرفض والصراخ : - كيف إني ميت ولا زلت على قيد الحياة !! فيأتيه الرد من أصوات جوفاء : - لقد حدث هذا منذ عشرات السنوات ؟؟!! وراح الرجل يشعر باختناق ، ويضيق صدره ، وتصيبه نوبة هياج ، فراح يحطم كل ما يراه ، وما تطله يداه ، ويصيح كالأنثى في المخاض : - كيف أني ميت ولا زلت على قيد الحياة ؟! حتى خارت قواه ، ولمع في ذهنه المعتق ، خمر نجاة ، وراح يصيح : - لسوف أسأل الأموات ، فربما إني ميت على قيد الحياة ؟! وراح يركض نحو القبو ، حيث عشرات الجثث ، كانت أجساد ، مشتعلة بالحياة ، ماتت من العذاب ، وراح يقطعها حتى جعل أكبر قطعة فيها فتات ، ثم أحرقها ، وتحولت إلى رماد ، ولم يكتف بهذا بل احتفظ بها ذكرى في زجاجات ، ولا يعلم أحداً عنها ، حتى العائلات ؟! ولما وصل إلى القبو صاح ، وصوته اقرب إلى النواح : - يا أعداء البلاد .... هل أنا ميت ؟! .... أم لا زلت على قيد الحياة ؟! وإذا بعشرات الزجاجات تنفجر ، وتتناثر شظايا الرماد ، والرجل بعنفوانه ينبطح ، ويدفن رأسه بين ذراعيه كالنعام ، ويبكي ، ينتحب ، كما الشمع عندما يحترق ، ولما هدأ الانفجار ، راح يرفع رأسه عالياً ، وينفض عن رأسه الرماد ، ولكن لم يجد على رأسه ، ولا ثيابه أي أثراً ، لأي رماد ، وإذا بالرماد ماثلاً أمامه ، على شكل إنسان ، في حجم أضعاف حجمه ، يتلألأ بالضياء ، وألوان خضراء ، وعلى شفتيه ابتسامة الانتصار ، وقال عملاق الرماد بخفة واستهتار : - ماذا تريد بعد يا أيها الوحش المهتاج ؟! فصمت الرجل ... وراح يذوب روعه ، ويتحضر نفسه ، ثم قال في انكسار : - يا أيها الشهداء .... هل أنا ميت ؟! .... أم لا زلت على قيد الحياة ؟! فقال عملاق الرماد ، بصوت العزة ، والإشفاق : - أنت من اختار، مر الانتقال ، من سجلات الآدمية ، إلى سجل الوحشية .... فأصبحت ميت ....ولا زلت على قيد الحياة ؟! وأيقن الرجل معنى الجواب ، فراح يرتدي حلته الرسمية ، ويعلق أوسمته الذهبية ، ويتلقى العزاء ، في روحه الآدمية ، من نفسه الوحشية |
الساعة الآن 16:22. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. , Designed & TranZ By
Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
جميع الحقوق محفوظة لشبكة و منتديات صدى الحجاج