![]() |
رد: قصة الاندلس ...
الفترة الثانية من الإمارة الأموية فترة الضعف
بوفاة عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو فترة الضعف في الإمارة الأموية، ويبدأ من سنة 238 هـ= 852 م وحتى سنة 300 هـ= 913 م أي حوالي اثنتين وستين سنة. تولّى بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده هما المنذر وعبد الله، وحقيقة الأمر أن الإنسان ليتعجب: كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والسيطرة على بلاد الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟! فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن الأمم لا تسقط فجأة، بل إن الأمر يكون متدرجًا وعلى فترات طويلة، فهذا عهد الولاة الثاني - كما ذكرنا - كان السبب في ضعفه أولًا: انفتاح الدنيا وحبّ الغنائم. ثانيًا: القَبَلِيّة والقومية. ثالثًا: ظلم الولاة. رابعًا: ترك الجهاد. وكل هذه الأسباب لم تنشأ فجأة، وإنما كانت بذورها قد نشأت منذ أواخر عهد القوّة من عهد الولاة أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء. إذن لكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن نرجع قليلًا، وندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدّت إلى هلكة أو ضعف الإمارة الأموية في هذا العهد الثاني. عوامل وأسباب ضعف الإمارة الأموية كان من أهمّ أسباب ضعف الإمارة الأموية ما يلي: أولًا: كثرة الأموال وانفتاح الدنيا على المسلمين من جديد: من جديد كانت الدنيا قد انفتحت على المسلمين، وكثرت الأموال في أيديهم، وقد زاد هذا بشدّة في أواخر عهد القوة من الإمارة الأموية، فقد ازدهرت التجارة كثيرًا، ولم يوجد هناك في البلاد فقير، وفُتن الناسُ بالمال، وتكرّر ثانية حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ أُمّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الدنيا مرارًا وتكرارًا وقلّل من قيمتها، فكان يقول: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ". ثانيًا: زرياب اسم ليس بغريب لكنه كان كدابّة الأرض التي أكلت منسأة سليمان عليه السلام فسقط جسده على الأرض، "زرياب" هذا كان من مطربي بغداد، تربى هناك في بيوت الخلفاء والأمراء حيث كان يغني لهم ويطربهم، وكان معلّمه هو إبراهيم الموصلي كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت. مع كرّ الأيام ومرّ السنين لمع نجم زرياب في بغداد فغار منه إبراهيم الموصلي، فدبّر له مكيدة فطُرد من البلاد، كانت مشارق الأرض الإسلامية ومغاربها متسعة جدًا في ذلك الوقت، وبعد حيرة وجد "زرياب" ضالته في الأندلس؛ حيث الأموال الكثيرة والحدائق والقصور، وهي صفات كثيرًا ما يعشقها أمثال هؤلاء، وبالمقابل فمثلها أيضًا تكون أرضًا خصبة لاستقبال وإيواء أمثالهم. الأندلس إلى هذه الفترة لم تكن تعرف الغناء، إلا أن "زرياب" ذهب إلى هناك فاستقبلوه وعظّموه وأحسنوا وفادته، حتى دخل على الخلفاء، ودخل بيوت العامه ونواديهم، فأخذ يغنّي للناس ويعلمهم ما قد تعلمه في بغداد، ولم يكتف "زرياب" بتعليمهم الغناء وتكوين ما يسمى بـ الموشحات الأندلسية، لكنه بدأ يعلمهم فنون (الموضة) وملابس الشتاء والصيف والربيع والخريف، وأن هناك ملابس خاصة بكل مناسبة من المناسبات العامة والخاصة. ولم يكن الناس في الأندلس على هذه الشاكلة، إلا أنهم أخذوا يسمعون من "زرياب" ويتعلمون، خاصة وأنه قد بدأ يعلمهم أيضًا فنون الطعام كما علمهم ملابس الموضة تمامًا، وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء والأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلّق الناس به بشدّة، وتعلّق الناس بالغناء وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا. الغريب أن دخول "زرياب" إلى أرض الأندلس كان في عهد عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - ذلك الرجل الذي اهتمّ بالعلم والحضارة والعمران والاقتصاد وما إلى ذلك، لكنه - وللأسف - ترك "زرياب" يفعل كل هذه الأمور وينخر في جسد الأمة من دون أن يدري أحد. ففي الوقت الدي انتعشت فيه النهضة العلمية وكثر العلماء، إلا أن كلام زرياب المنمق وإيقاعه الرنان صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماعه هو، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن سماع قصص السلف الصالح إلى سماع حكاياته العجيبة وأساطيره الغريبة، بل والله لقد صُرف الناس عن سماع القرآن الكريم إلى سماع أغانيه والتعلّق بلهوه ومجونه. وليس هذا بعجيب أو جديد؛ ففي بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وحين رآه النضر بن الحارث وكان من رءوس الكفر يخاطب الناس بالقرآن فيتأثّرون ويؤمنون بهذا الدين، ما كان منه إلا أن قطع أميالًا طويلة وذهب إلى بلاد فارس، وقضى هناك فترات كثيرة يتعلم حكايات رستم واسفنديار، ويتعلم الأساطير الفارسية، ثم اشترى غانيتين وعاد إلى مكة، وفي مكة كان النضر بن الحارث يقوم بحرب مضادة للدعوة الإسلامية، فكان إذا وجد في قلب رجل ميلًا إلى الإسلام أرسل له الغانيتين تغنيانه ما كان في بلاد فارس من حكايات رستم واسفنديار حتى يلهياه عن هذا الدين، وظلّ على هذا النحو وأنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] {لقمان:6}. وقد أقسم عبد الله بن مسعود - رحمه الله - أنها ما نزلت إلا في الغناء. وهكذا؛ فلا يهدأ الشيطان ولا ينام حتى في وجود هذه النهضة العلمية، [ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف:17}. وكلما زاد الاهتمام بالدين وارتقى مستوى الإيمان عند الناس وتعلّقت قلوبهم بالمساجد، كلما نشط الشيطان وزادت حركته عبر طريق "زرياب" ومن سار على نهجه. وللأسف فإنه بالرغم من مرور أكثر من ألف ومائتى عام على وفاة زرياب هذا، إلا أن له شهرة واسعة في كل بلاد المغرب العربي، فلم يسمع الكثير من الناس عن السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم رحمهم الله ولم يسمعوا عن عقبة بن الحجاج أو سيرة عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل أو عبد الرحمن الأوسط، ولم يسمعوا عن كثير من قواد المسلمين في فارس والروم وفي بلاد أفريقيا والأندلس لكنهم سمعوا عن زرياب، ويعرفون سيرته وتفاصيل حياته، بل إن موشحاته الأندلسية ما زالت إلى يومنا هذا تغنى في تونس والمغرب والجزائر، ومازالت تُدرّس سيرته الذاتيه هناك على أنه رجلا من قواد التنوير والنهضة، يمجَّد في حربه ضد الجمود وكفاحه من أجل الفن، ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسيًا في سقوط بلاد الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثالثًا: من أسباب ضعف الإمارة الأموية أيضًا "عمر بن حفصون" عمر بن حفصون هذا ( 240 - 306 هـ= 855 - 919 م ) هو "جون جارنج السوداني" باصطلاح العصر الحديث، وهو مسلم من المولدين، أي من أهل الأندلس الأصليين، كان عمر بن حفصون قاطعًا للطريق وكان يتزعم عصابة من أربعين رجلا، حين بدأ الناس يركنون إلى الدنيا ويتركون الجهاد في سبيل الله زاد حجمه، واشتد خطره، وبدأ يثور في منطقة الجنوب حتى أرهب الناس في هذه المنطقة، وأخذ يجمع حوله الأنصار إلى أن زاد حجمه كثيراً، فسيطر على كل الجنوب الأندلسي. في سنة 286 هـ= 899 م قام عمر بن حفصون بعمل لم يتكرر كثيرًا في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ الأندلس بصفة خاصة، فلكي يعضد من قوته في آخر عهده، وبعد اثنين وعشرين عاما من ثورته انقلب على عقبيه وتحول من الإسلام إلى النصرانية، وسمّى نفسه صمويل، وذلك بهدف كسب وتأييد مملكة ليون النصرانية في الشمال، وهو وإن كان قد تركه بعض المسلمين الذين كانوا معه إلا إنه نال بالفعل تأييد مملكة ليون، الوقت الذي تزامن مع توقف الجهاد في ممالك النصارى. بدأت "مملكة ليون" تتجرّأ على حدود الدولة الإسلامية، فبدأت تهاجمها من الشمال وعمر بن حفصون أو صمويل من جهة الجنوب، تمامًا كما كانت تفعل أمريكا واليهود مع جون جرنج المتمرد في جنوب السودان، والهدف لا يخفى على الجميع، فحين يمدونه بالسلاح والخطط والخرائط، والأغذية والأموال وغير ذلك، تضعف السودان وتضرب من الداخل، وتشغل بنفسها، ومن ثم يتوقف المدّ الإسلامي من السودان إلى بلاد وسط وجنوب إفريقيا. وهذا بالضبط ما حدث في الأندلس مع عمر بن حفصون، وحدث قبل ذلك بكثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين راسلت قريش عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة المنورة، وشجعته كثيرًا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرده من بلاده. |
رد: قصة الاندلس ...
نظرة تحليلية على الوضع في الأندلس أواخر عهد الضعف
بعد اثنين وستين عامًا من الضعف الشديد وبعد تفاعلت عوامل السقوط مع بعضها البعض، نلقي الآن نظرة عامة على طبيعة الوضع في بلاد الأندلس أواخر عهد الضعف في الإمارة الأموية، أي سنة 300 هـ= 913 م، وإيضاح أهمّ الملامح التي سادت هذا العصر والتي كانت من فعل ونتاج عوامل الضعف، فكان ما يلي: أولًا: تصاعد وكثرة الثورات داخل الأندلس: كان هناك ثوارت لا حصر لها داخل الأندلس، بل واستقلالات في كثير من المناطق، والتي كان من أشهرها استقلال صمويل أو عمر بن حفصون، حيث استقلّ بالجنوب وكوّن ما يشبه الدويلة، فضم إليه الكثير من الحصون، حتى ضمّ كل حصون أستجّة وجيّان، والتي كانت عند فتح الأندلس من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق، وكذلك كانت غرناطة إحدى المدن التي في حوزته، والتي اتخذ لها عاصمة سمّاها (بابشتر) وتقع في الجنوب بجوار ألمريّة على ساحل البحر الأبيض المتوسط. كان من هذه الثورات الكبيرة أيضا ثورة ابن حجاج في إشبيليّة، وكانت هذه الثورة تمد وتساعد عمر بن حفصون أو صمويل في ثورته ضد قرطبة. ومثلها كانت ثورة ثالثة في شرق الأندلس في منطقة بلنسية، ورابعة في منطقة سرقسطة في الشمال الشرقي، حيث استقلت إمارة سرقسطة أيضا عن الإمارة الأموية في قرطبة، وخامسة في غرب الأندلس يقودها عبد الرحمن الجلّيقي، وسادسة في طليطلة، وهكذا ثورات وثورات أدت في نهاية الأمر إلى أن الحكومه المركزية للإمارة الأموية في قرطبة لم تعد تسيطر في كل بلاد الأندلس إلا على مدينة قرطبة وحدها، إضافة إلى بعض القرى التي حولها. ومن ثم فقد انفرط العقد تمامًا في سنة سنة 300 هـ= 913 م، وتوزّعت الأندلس بين كثير من القوّاد، كُلّ يحارب الآخر وكُلّ يبغي ملكًا ومالًا. ثانيا: تكوّن مملكة نصرانية ثالثة ذكرنا سابقا أنه كان هناك مملكتان نصرانيتان، هما مملكة "ليون" في الشمال الغربي ومملكة "أراجون" في الشمال الشرقي وعاصمتها برشلونة، واللتان تكونتا زمن ضعف المسلمين في عهد الولاة الثاني، وهنا وفي الفترة الثانية من فترتي الإمارة الأموية تكوّنت في الشمال أيضًا مملكة نصرانية ثالثة كانت قد انفصلت عن مملكة "ليون"، وهي مملكة أو إمارة "نافار" وتكتب في بعض الكتب العربية "ناباره"، وتعرف الآن في أسبانيا بإقليم الباسك، ذلك الإقليم الذي يحاول الانشقاق عن أسباني. هذه الممالك النصرانيّة الثلاث بعد أن كانت تخاف المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول تجرّأت كثيرًا على البلاد الإسلامية، فهاجمت شمال الأندلس وبدأت تقتل المسلمين المدنيين في مدن الأندلس الشمالية. ثالثًا: قتل ولي العهد أمر خطير آخر قد ظهر، وهو يعبر عن مدى المأساة والفتنة في ذلك الوقت، وهو أن ولي العهد للأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت قتله أخوه المطرف بن عبد الله، وكان ولي العهد هذا يسمى محمد بن عبد الله، فأصبح الوضع من الخطورة بمكان. وهكذا يكون الحال حين يختلف المسلمون ويفترقوا، وحين ينشغلوا بدنياهم وبزريابهم وبأنفسهم، حكومات نصرانية في الشمال تهاجم المسلمين، ثورات واستقلالات في الداخل، قتل لولي العهد القادم، بلاد إسلامية واسعة بدون ولي عهد في هذه المرحلة الحرجة... رابعًا: ظهور نجم دولة شيعية في بلاد المغرب كانت من أخطر الدول على بلاد الأندلس زاد الأمور سوءًا في بلاد الأندلس ظهور دولة جديدة في بلاد المغرب كانت من أشدّ الدول خطورة على بلاد الأندلس، وهي الدولة المسمّاة بالفاطميّة، واسمها الصحيح الدولة العبيدية. ظهرت الدولة العبيدية في بلاد المغرب العربي سنة 296 هـ= 909 م أي قبل سنة 300 هـ= 913 م (نهاية الفترة الثانية من الإمارة الأموية) بأربع سنوات فقط، وكانت دولة شيعية خبيثة همها الأول قتل علماء السنّة في بلاد المغرب العربي، ومحاولة نشر نفوذها في هذه المنطقة، فانتشرت بصورة سريعة من بلاد المغرب إلى الجزائر إلى تونس، ثم إلى مصر والشام والحجاز وغيرها. ويكمن خطرها على بلاد الأندلس في أنها ساعدت عمر بن حفصون وأمدته بالسلاح والمؤن والغذاء عن طريق مضيق جبل طارق من الجنوب؛ وذلك لأن عمر بن حفصون أو صمويل كان يعادي ويحارب الخلافة الأموية السنية الموجودة في قرطبة. خامسًا: تفشي السلبية وتوقف التفكير في الجهاد كان حال الشعب في هذه الفترة قد تغير بالمرة؛ فلم يعد يفكر في الجهاد، وانتشرت الروح السلبيّة بين الناس، واعتقدوا أنّه لا فائدة وليس هناك طائل من محاولة التغيير، ورأوا أن الأمر قد ضاع، وفُقد من أيديهم بالكلية ولا أمل في الإصلاح. سادسًا: تَردّي الأوضاع في بقية أقطار العالم الإسلامي إذا تخطينا بلاد الأندلس وألقينا نظرة على مجمل أقطار العالم الإسلامي في الشرق والغرب وجدنا ما يلي: مصر والشام يحكمها الإخشيديون، الموصل يحكمها ابن حمدان، البحرين واليمامة يحكمها القرامطة، أصبهان يحكمها بنو بويه، خراسان يحكمها نصر الساماني، طبرستان يحكمها الديلم، الأهواز يحكمها البُريديون، كرمان يحكمها محمد بن إلياس، الدولة العباسية أو الخلافة العباسية لا تحكم إلا بغداد فقط، ولا تبسط سيطرتها حتى على أطراف العراق. هكذا كان الوضع في أقطار العالم الإسلامي، لم يكن هناك أي أمل في أي مدد منه إلى بلاد الأندلس؛ حيث كانت كلها مشتته ومفرقة، ولا حول و لاقوة إلاّ بالله. وإن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها، ولن تُنقذ إلا بمعجزة جديدة مثل معجزة عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل - رحمه الله -. وبالفعل فإن الله سبحانه وتعالى بمنّه وجوده أنعم على المسلمين بتلك المعجزة للمرة الثانية، فمنّ عليهم بأمير جديد، وحّد الصفوف وقوّى الأركان، وأعلى من شأن بلاد الأندلس حتى أصبحت في عهده أقوى ممالك العالم على الإطلاق، وأصبح هو أعظم ملوك أوروبا في زمانه بلا منازع، إنه عبد الرحمن الناصر - رحمه الله -. |
رد: قصة الاندلس ...
الخلافة الأموية
من عبد الرحمن الناصر؟ وما نشأته؟ هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المرواني، وقد نشأ يتيمًا، وتولى جده عبد الله تربيته، فنشأ على التقوى والورع، وكانت النتيجة هي ظهور قائد مثل عبد الرحمن الناصر. لماذا يُعدّ عبد الرحمن الناصر مثلاً يُحتذى به؟ يعدّ عبد الرحمن الناصر قدوة ومثلاً لكل المسلمين؛ لأن هذا الرجل تولى حكم الأندلس وهي في حالة من الفوضى والدمار، وتصير هذه الدولة في عهده من أقوى الدول على الإطلاق، ويصبح عبد الرحمن الناصر أعظم ملوك أوربا؛ لأنه عندما تولى الحكم قام ببناء الدولة من جديد، وقضى على الفتن والثورات، وعمل عبد الرحمن الناصر أيضًا على توحيد الأندلس تحت راية واحدة. ولم يكتفِ عبد الرحمن الناصر بذلك، بل حمل راية الجهاد ضد النصارى، الأمر الذي جعل شعوب المسلمين تتجه إليه؛ لأنه هو من يدافع عن الإسلام، ثم أعلن قيام الخلافة الأموية، وأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين. إضافةً إلى ذلك فقد اهتم عبد الرحمن الناصر بالحضارة، فنمَى الجانب المعماري، وانتشرت الكثير من المدن. هذا إلى جانب انتشار الرخاء الاقتصادي، ونمو الكثير من الصناعات. ومن أهم الأمور التي يجب أن يشار إليها في عهد عبد الرحمن الناصر هي ازدهار الحركة العلمية. الحكم بن عبد الرحمن الناصر 302 - 366هـ بعد وفاة عبد الرحمن الناصر خلفه على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وتولّى من سنة 350هـ/ 961م إلى سنة 366هـ/ 976م. وفي عهده حدثت نهضة علمية غير مسبوقة، ولُقّب بعاشق الكتب، وأنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، وقد اشتهرت مدينة قرطبة في عهده، وهي تقع في وسط الأندلس، وأشهر ما بالمدينة كان مسجد قرطبة، بالإضافة إلى وجود القنطرة. وظنت الممالك النصرانية أن اهتمام الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالعلم سيجعله يترك الجهاد، وخرجت لتهاجم أملاك المسلمين، فما كان من "الحكم" إلا أن ردَّهم وهاجمهم، وجعلهم يدفعون الجزية. ولقد ظلّ الحكم بن عبد الرحمن الناصر - رحمه الله - يحكم من سنة 350هـ/ 961م إلى سنة366هـ/ 976م، في فترة تُعدّ هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق، وأعظم عهودها. عبد الرحمن الناصر ( 277 - 350 هـ= 891 - 961 م ) وتولي الحكم رأينا سابقًا كيف كان الوضع أواخر عهد الضعف من الإمارة الأموية، وما هي السمات والملامح التي سادت ذلك العهد، ورأينا أيضًا كيف أن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت يرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها. |
رد: قصة الاندلس ...
من هو عبد الرحمن الناصر
هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المرواني الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس الملقب أمير المؤمنين، وأمه أم ولد تسمى "ماريا" أو "مرته أومزنة"، وجده السادس هو عبد الرحمن بن معاوية الأموي - صقر قريش - ولد في قرطبة وعاش بها... نشأ عبد الرحمن بن محمد يتيمًا، فعندما كان عمره عشرين يومًا قتل عمُّه أباه، لأنه كان مؤهلا للإمارة بعد أبيهما عبد الله الأمير السابع من أمراء الأمويين بالأندلس، وفتح الصبي عينه على الدنيا ليجد الحياة قاتمة أمامه، ولم يكن البلاط الأموي المشغول بكثير من الأحداث، من ثورات داخلية ومطامع خارجية ليشغل نفسه بطفل صغير كهذ، غير أن جدّه الأمير عبد الله والذي اتصف بالورع والتقوى والتقشف وحب الناس، وكان على درجة عالية من الإيمان - هذا الجد تولى هو تربيته، ونال الصبي الصغير نصيبًا كبيرًا من رعايته، فقد رباه جده الأمير ليفعل ما لم يستطع أن يفعله هو، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحسن الإدارة وسرعة الحسم وقوة العزم، رباه على التقوى والصلاح والورع وحب الناس، رباه على الصبر والحلم رباه على العزة والكرامة، رباه على العدل مع القريب والبعيد، وعلى الانتصار للمظلوم، وكانت النتيجة الطبيعية لهذه التربية، والثمرة المتوقعة لها؛ أن وُجد عبد الرحمن الناصر، وكان جزاء عمه القتل، فقد قتله أبوه عبد الله، بعد أن تأكد من براءة أخيه مما عزاه إليه، واهتم الأمير عبدالله بحفيده اهتمامًا كبيرا وأولاه عناية خاصة، ولعل ذلك عطفًَا وشفقةً عليه بعد مقتل أبيه، ونشأ عبد الرحمن في هذا الجو المليئ بالأحداث المتتابعة، وعلم ما حدث لأبيه على يد عمّه، كما علم أيضًا أن جده عبد الرحمن الملقب بصقر قريش مؤسس الدولة الأموية في الأندلس علم أنه كان رجلا عظيمًا، تحمّل الكثير من أجل تأسيس هذه الدولة، وقاسى الصعاب والمشقات حتى تقام هذه الدولة، بل وواجه ثورات كثيرة ومطامع كبيرة أحاطت به من كل جانب، وبالفعل نجح في تأسيس هذه الدولة؛ والتي يتناوشها الأعداء ويكدر صفوها الثورات الداخلية والمطامع الكثيرة، بين أبناء البيت الأموي، ولكن هذه المشكلات كلها مجتمعة لا تكاد تصل إلى ما تحمّله الجد المؤسس صقر قريش من صعاب ومشقات، وبدأ الفتى الصغير يفكر كيف يتخلص من كل هذه المشكلات والأمور ليست بيده، بل بيد كبار بني أمية من أعمامه، وأقربائه، والذين يتبوأ كل منهم مكانة عالية ومنصبًا رفيعًا في هذا البلاط الملكي... إنه أبدًا لم ولن يفقد الأمل فقد رباه جده على الصبر وقوة العزيمة وحسن الثقة بالله، واليقين بنصر الله... إنه ينتظر الفرصة ليحقق المجد لأمته ويرفع عنها العناء... وفي ظلّ هذا الجوّ المليء بالفتن، وهذه التركة المثقلة بالهموم، نفاجأ بأمر جلل، لكنه كان متوقعًا، فقد زهد جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحون للخلافة في الحكم، وذلك لِما رأوا من عبء هذه التركة المثقلة بالهموم، ولعدم توقع أحد منهم قدرته على التمكّن من الإصلاح... |
رد: قصة الاندلس ...
الحكم بن عبد الرحمن الناصر 302 - 366 هـ
استخلف عبد الرحمن الناصر على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، والذي تولّى من سنة 350 هـ= 961 م إلى سنة 366 هـ= 976 م وفي عهده حدثت في بلاد الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة؛ ولا غرو فقد تولّى الحُكم وهو يبلغ من العمر سبعًا وأربعين سنة، وكان هو نفسه عالمًا من العلماء، ويكفي أنه لُقّب بعاشق الكتب. أنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، تلك التي تعد أعظم مكتبات العصور الوسطى على الإطلاق، وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد، وقد دفع آلاف الدنانير لجلب أعظم الكتب إليها من كل مكان في العالم، وكان له عمّال وظيفتهم الوحيدة هي جمع الكتب من مشارق الأرض ومغاربها من بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين، فإذا جاءوا بكتاب في الفلك أو الطب أو الهندسة أو غيرها من أي بلد غير إسلامي تُرجم على الفور وضُمّ إلى المكتبة الأموية. كان رحمه الله يشتري الكتب مهما بالغ الناس في أسعارها، وقد أحضر في مكتبته هذه النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني (كتاب في الأدب) وأصفهان هذه الآن من مدن إيران، فأين إيران من إسبانيا الآن فالرجل لم تكن تقف أمامه التخوم ولا الحدود!! كثر النسخ في عصره وصار وظيفةً للنساء في البيوت، واشتهرت نساء الأندلس بحسن الخط وجماله؛ حيث كان الرجال مشغولون بالجهاد ونشر العلم والبناء والمعمار وغيره، وكانت قد ازدهرت كثيرًا في الأندلس صناعة الكتب والورق والتجليد والأحبار، الأمر الذي كان فيه باباوات إيطاليا يشترون الورق من الأندلس ليكتبوا عليه أناجيلهم، وكذلك كانت كل أوروبا تستورد الورق وغيره من بلاد الأندلس. وسّع الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله في المكتبة كثيرًا، وجعل لها أروقة عظيمةً حتى تستوعب كثرة الحضور من المسلمين، وأنشأ أيضًا دارًا لتعليم الفقراء بالمجان، وخصّص المعونات والمكافآت لطلاب العلم، حتى انتشر التعليم بصورة ملفتة، واختفت الأمّية تمامًا في هذا العهد السحيق - منذ أكثر من ألف عام - وأصبح كل أهل الأندلس يعرفون القراءةَ والكتابةَ. أنشأ أيضًا رحمه الله جامعة قرطبة، وقد كان العلماء قبل إنشائها يشتغلون بالتجارة أوالزراعة أوالصناعة أو غيرها من الحرف اليدوية، إضافة إلى كونهم يتعلمون ويُعلّمون، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة قائمةً بنفسها، فكان يجعلهم يفرغون للتدريس والتعليم فقط؛ وذلك حتى يستطيعوا أن يبدعوا فيه. |
رد: قصة الاندلس ...
قرطبة المدينة الإسلامية النموذجية
أصل التسمية: قال ياقوت الحموي: قُرْطُبة: بضم أوله وسكون ثانيه وضم الطاء المهملة أيضاً والباء الموحدة كلمة فيما أحسب عجمية رومية ولها في العربية مجال يجوز أن يكون من القرطبة وهو العدو الشديد. قال بعضهم: إذا رآني قد أتيت قَرْطب... وجالَ في جحاشه وطرطبَا وقال الزَّبيدي في تاج العروس قَرْطَبَهُ: إِذَا صَرَعَهُ يُقَالُ: طَعَنَهُ فَقَرْطَبَهُ وقَحْطَبَه وقولُ أَبي وَجْزَةَ السَّعْدِيّ: والضَّرْبُ قَرْطَبَةُ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ... تَرَكَ المَداوِسُ مَتْنَهُ مَصْقُولاَ قال الفَرّاءُ: قَرْطَبْتُهُ: إِذا صَرَعْتَهُ أو قَرْطَبَه: إِذا صَرَعَهُ على قَفَاهُ. وتَقَرْطَبَ على قَفَاهُ: انْصَرعَ. ولا زالت مدينة قرطبة محتفظة باسمها إلى اليوم فهي بالاسبانية Crdoba، وبالإنجليزية Cordova أو Cordoba قرطبة تدخل في الإسلام كانت قرطبة من أوائل المدن التي دخلها الإسلام ففي العام 93 هـ= 711 م أرسل طارق بن زياد القائد مغيثًا الرومي ومعه سبعمائة رجل لفتح المدينة العظيمة وبعث مغيث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إليه، وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: انتقل. عنها عظماء أهلها، ولم يبق فيها إلاَّ بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها. ثم سأله عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، وهو باب القنطرة، ووصف لهم الثغرة. فلما جنَّ الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في دروتها، ونزع مغيثٌ عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب - ابن عذاري لقد نجحوا في مهمتهم بعد أن دخلوا من الأسوار وفتحوا الأبواب وأُسر أمير المدينة الذي حاول الفرار ولكنه لم ينجح في ذلك... موقع قرطبة: قال "الإصطخري" في "المسالك والممالك": وأما الغربي من المغرب فهو الأندلس، والأندلس بلدان عريضة كثيرة المدن خصبة واسعة، ومدينتها العظمى تسمى "قرطبة"، وهي من الأندلس في وسطها... وقال "ابن سعد المغربي" في كتابه "الجغرافيا": وطول "قرطبة"، قاعدة الأندلس في مدة بني أمية، عشر درجات، وعرضها ثمان وثلاثون درجة ونصف. وهي على غربي النهر الكبير الذي عليه إشبيلية.... هـ وقرطبة اليوم مدينة وعاصمة مقاطعة في جنوب اسبانيا تحمل اسمها وتقع على نهر يسمى (جواداالكبير ) أو نهر الوادي الكبير... قالوا عن قرطبة: قال "الحِميري" صاحب "الروض المعطار في خبر الأقطار": قُرْطُبة: قاعدة الأندلس وأم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها وآثارهم بها ظاهرة، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر، وهم أعلام البلاد وأعيان الناس، اشتهروا بصحة المذهب وطيب المكسب وحسن الزي وعلو الهمة وجميل الأخلاق، وكان فيها أعلام العلماء وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير وأحوالهم واسعة، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمّامات وسائر الصناعات، وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة. وقال عنها "ياقوت الحموي" في "معجم البلدان": مدينة عظيمة بالأندلس وسط بلادها وكانت سريراً لملكها وقصبتها وبها كانت ملوك بني أمية ومعدن الفضلاءِ ومنبع النبلاءِ من ذلك الصقع وبينها وبين البحر خمسة أيام. قال ابن حوقل التاجر الموصلي: وكان طَرَقَ تلك البلاد - في حدود سنة 350 هـ= 961 م - فقال: وأعظم مدينة بالأندلس قرطبة وليس لها في المغرب شبيه في كثرة الأهل وسعة الرقعة ويقال: إنها كأحد جانبي بغداد وإن لم تكن كذلك فهي قريبة منها وهي حصينة بسور من حجارة ولها بابان مشرعان في نفس السور إلى طريق الوادي من الرصافة والرصافة مساكن أعالي البلد متصلة بأسافله من ربضها وأبنيتها مشتبكة محيطة من شرقيها وشماليها وغربها وجنوبها فهو إلى واديها وعليه الرصيف المعروفُ بالأسواق والبيوع مساكن العامة بربضها وأهلها متمولون متخصصون وأكثر ركوبهم البغلات من خَوَرهم وجبنهم أجنادهم وعامتهم ويبلغ ثمن البغلة عندهم خمسمائة دينار وأما المائة والمائتان فكثير لحسن شكلها وألوانها وقدودها وعلوها وصحة قوائمها. وقال "أبو الحسن بن بسام" رحمه الله في كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة": وحضرة قرطبة، منذ استفتحت الجزيرة، هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأم القرى، وقرارة أهل الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، وقبة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمرة الخواطر، وبحر درر القرائح؛ ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر؛ وبها انتشأت التأليفات الرائقة، وصنفت التصنيفات الفائقة؛ والسبب في ذلك، وتبريز القوم قديماً وحديثاً هنالك على من سواهم، أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلا على أهل البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر... وقال عنها "ابن الوردي" في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب": ومن أقاليم الأندلس إقليم الكنانية ومن مدنه المشهورة قرطبة وهي قاعدة بلاد الأندلس ودار الخلافة الإسلامية، وهي مدينة عظيمة وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب... من علماء قرطبة: قال ياقوت الحموي" في "معجم البلدان": وينسب إليها - أي إلى قرطبة - جماعة وافرة من أهل العلم منهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمامٍ الأزدي القرطبي قرأ عليه كثير من شيوخنا وكان أديبا فاضلاً مقرئاً عارفاً بالنحو واللغة سمع كثيراً من كتب الأدب وورد الموصل فأقام بها يفيد أهلها ويقرؤون عليه فنون العلم إلى أن مات بها في سنة 567 هـ= 1172 م، وممن ينسب إليها أحمد بن محمد بن عبد البر أبو عبد الملك من موالي بني أمية سمع محمد بن أحمد بن الزرَّاد وابن لُبابة وأسلم بن عبد العزيز وغيرهم وله كتاب مؤلف في الفقهاءِ بقرطبه ومات في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة 338 هـ= 950 م قال ابن الفرَضي: وأحمد بن محمد بن موسى بن بشير بن حَناذ بن لقيط الرازي الكناني من أنفسهم من أهل قرطبة يكنى أبا بكر وفد أبوه على الإمام محمد وكان أبوه من أهل اللسانة والخطابة وولد أحمد بالأندلس وسمع من أحمد بن خالد وقاسم بن أصبغ وغيرهما وكان كثير الرواية حافظاً للأخبار وله مؤلفات كثيرة في أخبار الأندلس وتواريخ دُول الملوك منها توفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة 344هـ= 955 م ومولده في عاشر ذي الحجة سنة 274 هـ= 25 - أبريل - 888 م قاله ابن الفَرَضي، وحباب بن عُبَادة الفَرَضي أبو غالب القرطبي له تآليف في الفرائض، وحسن بن الوليد بن نصر أبو بكر يعرف بابن الوليد وكان فقيهاً عالماً بالمسائل نحويا خرج إلى الشرق في سنة 362، وخالد بن سعد القرطبي أحد أئمة الأندلس كان المستنصر يقول إذا فاخرَنا أهل المشرق بيحيى بن مروان أتيناهم بخالد بن سعد وصنف كتاباً في رجال الأندلس ومات فجأة سنة 352 عن ابن الفرضي وقد نيف على الستين، وخلف بن القاسم بن سهل بن محمد بن يونس بن الأسود أبو القاسم المعروف بابن الدَباغ الأزدي القرطبي ذكره الحافظ في تاريخ دمشق وقد سمع بدمشق أبا الميمون بن راشد وأبا القاسم بن أبي العَقب وبمكة أبا بكر أحمد بن محمد بن سهل بن رزق الله المعروف ببكَير الحداد وأبا بكر بن أبي الموت وبمصر عبد الله بن محمد المفسر الدمشقي والحسن بن رشيق روى عنه أبو عمر يوسف بن حمد بن عبد البر الحافظ وأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي وأبوعمرو الدانىِ كان حافظاً للحديث عالماً بطرقه ألَّف كُتباً حسانا في الزهد ومولده سنة 325 ومات سنة 393 في ربيع الآخر.... |
رد: قصة الاندلس ...
بعض مدن قرطبة:
قَنبَان: قرية من قرى قرطبة بالأندلس. ينسب إليها أبو عبد الله محمد بن عبد البر القنباني المعروف بالكشكيناني كان من الثقات في الرواية والمجودين في الفتاوى وله حظوة عند الحكم المستنصر أحد خلفاء بني أمية بالأندلس ودخل المشرق، وكتب عنه عبد الرحمن بن عمر بن النحاس عن عبد الله بن يحيى الليثي... معجم البلدان - ياقوت الحموي الزهراء: مدينة في غربي قرطبة بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها وبينها وبين قرطبة خمسة أميال. وكانت قائمة الذات بأسوارها ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع... الروض المعطار في خبر الأقطار مسجد قرطبة: http://back.islamstory.com/images/Ar...6_01_Mosc1.jpg قال صاحب الروض المعطار في وصف هذا المسجد العظيم: وبها الجامع المشهور أمره الشائع ذكره من أجل مساجد الدنيا كبرَ مساحة وإحكامَ صنعة وجمالَ هيئة وإتقان بنية تهمم به الخلفاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميماً إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف ويعجز عن حسنه الوصف وليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً وطولاً وعرضاً، طوله مائة باع وثمانون باعاً ونصفه مسقف، ونصفه صحن بلا سقف، وعدد قسي مسقَّفه أربع عشرة قوساً، وسواري مسقفه بين أعمدته وسواري قببه صغاراً وكباراً مع سواري القبلة الكبرى وما يليها ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقيد أكبر واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل اثني عشر مصباحاً، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر الطرطوشي، ارتفاع الجائزة منه شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة سبعة وثلاثون شبراً وبين الجائزة والجائزة غلظ الجائزة، وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش ما لا يشبه بعضها بعضاً، قد أحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العيون وتستميل النفوس بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها وسعة كل بلاط من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبراً وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة رخام. ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها،، وفيها من الفسيفساء المذهب والبلور مما بعث به صاحب القسطنطينية العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله، وعلى وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس أشف من قامة، وكل هذه القسي مزججة صنعة القوط، قد أعجزت المسلمين والروم بغريب أعمالها ودقيق وضعها، وعلى أعلى الكل كتابان منحوتان بين بحرين من الفسيفساء المذهب في أرض الزجاج اللازوردي، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقوش، وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خَصّة رخام قطعة واحدة مسبوكة منمقة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان واستدارت على المحراب حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعة، خشبه أبنوس وبقس وعود المجمر، يقال إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطسوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان، وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه، ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يوم، يتولى إخراجه قوم من قَوَمة الجامع، وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، فيتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه. http://back.islamstory.com/images/Ar...2_Mezquita.jpg وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضي إلى القصر، بين حائطي الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب، منها أربعة تنغلق من جهة القصر وأربعة تنغلق من جهة الجامع. ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس، وفي كل باب منها حلقتان في غاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفصّ المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق. وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغريبة الصنعة، الجليلة الأعمال، الرائقة الشكل والمثال، ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي، منها ثمانون ذراعاً إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعاً، ويصعد إلى أعلى هذا المنار بدرجين: أحدهما من الجانب الغربي، والثاني من الشرقي، إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. ووجه هذه الصومعة مبطن بالكذّان منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة، بصنعة تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة. وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسيّ دائرة على عقد الرخام، وبيت له أربعة أبواب مغلقة يبيت فيه في كل ليلة مؤذنان، وعلى أعلى الصومعة التي على البيت ثلاث تفاحات ذهباً واثنتان من فضة وأوراق سوسنية، تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في أمورهم فهذا ما حكاه محمد بن محمد بن إدريس.... هـ ووصف "ابن الوردي" هذا المسجد في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" فقال: وبها - أي بقرطبة - الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، طوله ذراع في عرض ثمانين http://back.islamstory.com/images/Ar...obamoschee.jpg ذراعاً وفيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقود، أكبرها يحمل ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة، تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران واثنان لازورديان، ليس لها قيمة. وبه منبر ليس على معمور الأرض مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقس وعود قاقلي. ويذكر في كتب تواريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، وكان جملة ما صرف على المنبر أجرة لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسي مثقال. وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضة لأجل وقوده. وبهذا الجامع مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بخطه، أي بخط يده، وفيهن نقط من دمه. وله عشرون باباً مصفحات بالنحاس الأندلسي، مخرمات تخريماً يعجز البشر، وفي كل باب حلق، في نهاية الصنعة والحكمة. وبه الصومعة العجيبة التي ارتفاعها مائة ذراع بالملكي المعروف بالرشاشي، وفيها من أنواع الصنائع الدقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه ونعته. وبهذا الجامع ثلاثة أعمدة حمر مكتوب على أحدها اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح. والجميع خلقة ربانية. وصف مسجد قرطبة في الوقت الحالي: http://back.islamstory.com/images/Ar...ba_Spanien.jpgالمسجد مستطيل الشكل يمتاز بصحنه الفسيح، ويضمّ العديد من الأروقة يعتبر الرواق الأوسط المؤدي إلى المحراب أوسعها، ويمتاز المسجد بمحرابه البديع الصنع حيث توجد فوقه سبعة أقواس قائمة على أعمدة، ويوجد فيه منبر نفيس مصنوع من خشب الساج النفيس وتعتبر منارة الجامع ( المسماة بمنارة عبد الرحمن الناصر ) من المنائر البديعة التي تحتوي على سلمين ولها (107درجات) وفي أعلاها ثلاث مظلات اثنتان من الذهب والثالثة من الفضة فوقها سوسنة من الذهب يوجد فوقها رمانة ذهبية صغيرة وقد حوّل الأسبـان هذه المنارة إلى برج للأجراس الكاتدرائية، ويبلغ طول باب المنارة النحاسي (8م) وارتفاعه (20م) وواجهة البناء من الرخام المنقوش بنقوش عربية بديعة. وفي الزاوية الجنوبية للمسجد توجد منارة أخرى مربعة الشكل طول ضلعها (12م) وارتفاعها (93م) وهي مكونة من خمسة طوابق في كلّ طابق عدد من الأجراس. وفي (19) باباً مصنوعاً من صفائح النحاس القوي وتقوم قبته على (365) عموداً من المرمر، وعدد قناديلـه نـحو (4700 قنديل وكان للجامع 1293 عموداً من الرخام بقي فيها (1093) عموداً... ومما يحزن القلب ويدمع العين أن هذا المسجد العظيم المهيب قد تحوّل عقب سقوط الأندلس إلى كاتدرائية وأصبح تابعًا للكنيسة مع احتفاظه باسمه وهو من أشهر المواقع التاريخية في العالم كله وتستطيع دخوله مقابل دفع 6 يورو... قنطرة قرطبة: وصفها "ابن الوردي" في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" فقال: وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسناً وإتقاناً، وعدد قسيها سبعة عشر قوساً، كل قوس منها خمسون شبراً وبين كل قوسين خمسون شبراً... وقال "الإدريسي" في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخراً في بنائها وإتقانها وعدد قسيها سبع عشرة قوساً بين القوس والقوس خمسون شبراً وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبراً وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبراً ولها ستائر من كل جهة تستر القامة وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعاً وإذا كان السيل بلغ الماء منها إلى نحو حلوقها وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف سد مصنوع من الأحجار القبطية والعمد الخاشنة من الرخام وعلى هذا السد ثلاث بيوت أرحاء في كل بيت منها أربع مطاحن... جامعة قرطبة: كان مسجد قرطبة هو أكبر جامعة إسلامية، وفيه كانت تلقي الدروس في مختلف العلوم، حتى تحوّل إلى أكبر مركز علمي في أوروبا، ومن خلاله انتقلت العلوم العربية إلى الدول الأوروبية، على مدى قرون، حتى سقوط مدينة "قرطبة" على يد فرناندو الثالث ملك قشتاله عام 633هـ=1236م، فتحول المسجد إلى كاتدرائية وأصبح تابعًا للكنيسة، ولا يزال الأسبان يطلقون عليه اسم (مثكيتا) Mezquita أي مسجد، وهو اليوم أبرز موقع تاريخي يميّز مدينة قرطبة... وقد عَهِدَ الحكم بن عبد الرحمن الناصر أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس إلى أخيه المنذر بالإشراف على جامعة قرطبة... التعليم والمكتبات في قرطبة: امتاز عصر الحكم بن عبد الرحمن الناصر أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس بازدهار العلوم والآداب وخاصة في قرطبة بصورة كبيرة، فقد كان أكثر خلفاء بني أمية حبًّا للكتب، وكان يبعث الرجال بالأموال الطائلة لاستجلاب نفائس الكتب إلى الأندلس، وأنشأ مكتبة قرطبة التي وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد... وقد شهد التعليم في عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لا يعرفها أرفع الناس في أوربا باستثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسّس جامعة قرطبة أشهر جامعات العالم آنئذٍ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدّرس في حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة. وقد احتلّت حلقات الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ ليتفرّغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه منصب الأستاذية اليوم في مجالات علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنحو وغير ذلك من العلوم، وقد عهد الحكم بمهمة الإشراف على المكتبة الأموية إلى أخيه عبد العزيز... أسواق قرطبة: كانت قرطبة تتميّز بأسواقها الممتلئة بكافة السلع وكان لكل مدينة سوقًا خاصأ بها كما يذكر ذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان والإدريسي في نزهة المشتاق وغيرهما... سكان قرطبة: تميّز سكان قرطبة خاصة بأنهم أشراف الناس وعلمائهم وأرفعهم مكانةً قال أبو الحسن بن بسّام: وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق يعني قرطبة خاصة والأندلس عامة أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر... ووصفهم ابن الوردي في خريدة العجائب وفريدة الغرائب بقوله: وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب.... وقال "الإدريسي" في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق": ولم تخل قرطبة قط من أعلام العلماء وسادات الفضلاء وتجارها مياسير لهم أموال كثيرة وأحوال واسعة ولهم مراكب سنية وهمم علية... ويبلغ عدد سكان قرطبة حاليًا حوالي 310،000 نسمة. جهاد الحكم بن الناصر وتوسعاته وسط هذه الأجواء العلمية، وهذا الاهتمام الكبير من قِبَل عاشق الكتب بالعلم والتعليم، ظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يهتمّ بالعلم على حساب الجهاد، وعلى خلاف عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر قاموا بمهاجمة مناطق الشمال، فما كان من الحكم إلا أن ردّ كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه، وانتصر عليهم رحمه الله في مواقع عدّة، حتى رضوا بالجزية من جديد عن يدٍ وهم صاغرون. ومن منطلق إسلامي بَحْت بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، كان الأندلسيون لا يملكون سوى مينائي "سبتة وطنجة" في عهد عبد الرحمن الناصر، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر انضمت كل بلاد المغرب إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأمويّة. ظلّ الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم من سنة 350 هـ= 961 م، وحتى سنة 366 هـ= 976 م، في فترة هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها. |
رد: قصة الاندلس ...
عبد الرحمن الناصر: بداية حياته وتوجهه نحو الإصلاح
إن دراسة كافة جوانب حياة عبد الرحمن الناصر لتحتاج إلى دراسة جادّة متأنّية، وعناية خاصّة تفوق هذه الأسطر، إلا أن هناك بعض الإشارات العامة رأينا أن نقف أمامها بعض الشيء، فهو رحمه الله حين تولّى الحكم كان يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة هجرية، أي إحدى وعشرين سنة ميلادية، وبلغة أخرى فهو طالب بالفرقة الثالثة أو الرابعة بالجامعة، هذه واحدة. أما الثانية فإنه يخطئ من يظن أن تاريخ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يبدأ منذ هذا السن أو منذ ولايته هذه على البلاد، فقد رُبّي عبد الرحمن الناصر منذ نعومة أظافره تربية قلما تتكرر في التاريخ. لم يكد يرى عبد الرحمن الناصر نور الدنيا حتى قتل أبوه وهو بعد لم يبلغ من العمر إلا ثلاثة أسابيع فقط، ومن ثم قام على تربيته جدّه الأمير عبد الله بن محمد، فربّاه رحمه الله ليقوم بما لم يستطع هو القيام به، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحب الجهاد وحسن الإدارة، ربّاه على التقوى والورع، ربّاه على الصبر والحلم، على العزة والكرامة، ربّاه على العدل مع القريب والبعيد، ربّاه على الانتصار للمظلوم، ربّاه ليكون عبد الرحمن الناصر. وهي رسالة إلى كل آباء المسلمين وأولي الأمر منهم: إن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر فليكن أبناؤنا عبد الرحمن الناصر، وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه فما بال تربية أبنائنا اليوم؟! هل نأمرهم بالصلاة عند سبع ونضربهم عليها عند عشر؟! هل نُحفّظ أبناءَنا القرآن، أم ندعهم يتعلمون فقط اللغات ويحفظون الأغاني وينشغلون بالكرتون؟! وتُرى ما هي قدوة أولادنا وبمن يتمثلون ويريدون أن يكونوا مثلهم؟! أعباء ضخمة ولكن: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. والثالثة أنّ عبد الرحمن الناصر رحمه الله حين تولّى الحكم كان على ثقةٍ شديدةٍ بالله سبحانه وتعالى وفي ذات الوقت ثقةٍ شديدةٍ بنفسه وأنه قادر على أن يغيّر، فهو يعي قول الله تعالى: [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ]{آل عمران:160}. فلم يدخل قلبه يومًا شكّ أو يأسٌ أو إحباطٌ من صعوبة التغيير أو استحالته، أو أنّه لا أمل في الإصلاح... فقام وهو ابن اثنين وعشرين عامًا وحمل على عاتقه مهمّة ناءت بها السموات والأرض والجبال، مهمّة هي من أثقل المهام في تاريخ الإسلام. |
رد: قصة الاندلس ...
عبد الرحمن الناصر وتغيير التاريخ
يتولى عبد الرحمن الناصر الحكم ويقوم بأمر الإمارة، فإذا به - وسبحان الله - يحيل الضعف إلى قوة، والذل إلى عزة، والفُرقة إلى وحدة، ويبدد الظلام بنور ساطع يشرق في كل سماء الأندلس تحت مجدٍ وسيادةٍ وسلطان. بعد تولي عبد الرحمن الناصر الحكم وبهذه المؤهلات السابقة، وبهذه التربية الشاملة لكل مقوّمات الشخصية الإسلامية السوّية، وبهذه الثقة الشديدة بالله وبنفسه، أقدم على تغيير التاريخ، فقام بما يلي: أولا: إعادة توزيع المهام والمناصب، أو ما يمكن تسميته "تنظيف قرطبة": حين تولّى الحكم لم يكن عبد الرحمن الناصر يملك من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، ورغم أنها تعدّ أكبر بلاد الأندلس وتمثّل مركز ثقل كبير لكونها العاصمة، إلا أنها لم تكن لتمثّل أكثر من عشر مساحة الأندلس، بدأ عبد الرحمن الناصر من هذه المساحة الصغيرة يغيّر من التاريخ. قام بتطهير المراكز المرموقة في قرطبة، من وزراء وقوّاد للجيش وغيرهم من رموز الفساد التي استولت عليها، واستبدلهم بمن يتصفون بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، وهكذا في كل المراكز القيادية في قرطبة. ثم أعلى من شأن العلماء، ورفع منزلتهم فوق منزلته نفسه، ورضخ لأوامرهم ونواهيهم، فطبّق ذلك على نفسه أولًا قبل أن يطبّقه على شعبه، ثم طبّق الشرع الإسلامي بكامله، ولم يتنازل ولو عن نقطة واحدة من أحكام الشرع الكريم، سواء أكان ذلك في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قدوةً في كل أفعاله وأعماله. ورد أنه رحمه الله كان يحضر خطبة الجمعة، وكان يخطبها المنذر بن سعيد من أكبر علماء قرطبة وكان شديدًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على عبد الرحمن الناصر رحمه الله الخليفة والأمير، وكان عبد الرحمن الناصر قد بنى لنفسه قصرًا كبيرًا، فأسرف المنذر في الكلام وأسرع في التقريع لعبد الرحمن الناصر لبنائه ذلك القصر. وحين عاد عبد الرحمن الناصر إلى بيته قال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي؛ فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني. وهنا أشار عليه رجل ممن كانوا حوله بعزله عن خطبة الجمعة، فردّ عليه عبد الرحمن الناصر قائلا: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل؟! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير قصد؟! هذا والله لا يكون، وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه سبحانه وتعالى في صلاة الجمعة شفيع مثل منذر في ورعه وصدقه، وما عزله حتى مات. وعلى مثل هذه المبادئ وهذه المعاني بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يربّي أهل قرطبة، وكان في انصياعه هو أفضل قدوة للناس جميعًا. ثانيًا: الاتّجاه إلى الثورات ومحاولة ترويضها بعد الانتهاء من الشأن الداخلي في قرطبة وتهيئته تمامًا بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يتجه إلى المحيط الخارجي، حيث الثورات المتعددة في كل أرض الأندلس، هداه تفكيره إلى أن يبدأ بعمر أو صمويل بن حفصون (240 - 306 هـ= 855 - 919 م )؛ وذلك لسببين: الأول: أن هذا الرجل لا يختلف اثنان على أنه يستحق القتل؛ وذلك لأنه ارتدّ عن دين الله سبحانه وتعالى ومن ثَمّ فقد أصبح قتاله فرضًا على المسلمين. والسبب الثاني: أنه يستطيع بذلك أن يحفّزَ أهل قرطبة الذين كانوا قد ألفوا الثورات في هذه الآونة؛ حيث المعركة في منتهى الوضوح هي بين المسلمين والمرتدين. في الطريق للقضاء على ثورة صمويل بن حفصون بعد نحو شهرين فقط من توليه الحكم قاد عبد الرحمن الناصر أول حملة له لقتال المرتدين استردّ فيها مدينة أَسْتُجّه، وكانت من أحصن مدن الأندلس- كما علمنا عند بداية الفتوحات- ثم بعد ذلك بنحو شهرين أو ثلاثة أشهر قاد بنفسه حملة كبيرة على صمويل بن حفصون استمرّ مداها طيلة ثلاثة أشهر كاملة، هي شعبان ورمضان وشوال من سنة 300 هـ= 913 م من نفس العام الذي تولّى فيه رحمه الله فاسترد جَيّان، وهي أيضًا من المدن الحصينة في الأندلس، ويكفي لمعرفة هذا أنه استردّ فيها سبعين حصنًا من حصون صمويل بن حفصون. ما زالت قوة صمويل بن حفصون كبيرة جدًا؛ فالمدد يأتيه من الشمال من دول النصارى، ويأتيه أيضًا من الجنوب من الدولة الفاطمية، هذا فضلًا عن إمدادات مدينة إشبيلية والتي كان عليها حاكم مسلم من أولاد ابن حجاج، لكنه كان متمردًا على سلطة قرطبة، وكان يملك جيشًا مسلمًا كبيرًا. فكّر عبد الرحمن الناصر كثيًرا في كيفية قطع هذه الإمدادات على صمويل بن حفصون، اهتدى أخيرًا في أن يبدأ بالهجوم على مدينة إشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ وذلك بمنطق النزعة الإسلامية التي غلبت عليه، حيث أمّل إن هو ذهب إلى إشبيلية واستطاع أن يُرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع إليه بالقوة أن ينضم إليه جيش إشبيلية المسلم الكبير، وبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية، وتقوى شوكته. وبالفعل وبعون من الله كان له ما أمّل، حيث ذهب إلى إشبيلية بعد أقل من عام واحد من ولايته في سنة 301 هـ= 914 م، واستطاع أن يضمّها إليه؛ فقويت بذلك شوكته وعظم جانبه، فعاد إلى صمويل بن حفصون بعد أن قطع عنه المدد الغربي الذي كان يأتيه من إشبيلية، واستردّ منه جبال رندة ثم شذونة ثم قرمونة، وهي جميعًا من مدن الجنوب. تعمّق عبد الرحمن الناصر بعد ذلك ناحية الجنوب حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه، ويكون بذلك أيضا قد قطع الإمدادات والمساعدات التي كانت تأتيه من الجنوب من الدولة الفاطمية عن طريق مضيق جبل طارق، وسعى عبد الرحمن الناصر إلى أكثر من هذا حيث قطع أيضا طريق الإمدادات التي كانت تأتيه من الدول النصرانية في الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط حتى تصله، وبذلك يكون عبد الرحمن الناصر قد قطع عن صمويل بن حفصون كل طرق الإمدادات والمساعدات التي كانت تمدّه وتقوّيه. لم يجد صمويل بن حفصون بدًا من طلب الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر على أن يعطيه اثنين وستين ومائة حصنًا من حصونه، ولأن البلاد كانت تشهد موجة من الثورات والانقسامات يريد عبد الرحمن الناصر أن يتفرغ لها، فضلًا عن أنه سيضمن في يده اثنين وستين ومائة حصنًا وسيأمن جانبه فقد قبل المعاهدة ووافق على الصلح من صمويل بن حفصون. عبد الرحمن الناصر يفاجأ الجميع ويتجه نحو الشمال الغربي أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر رحمه الله تضم قرطبة وإشبيلية وجيان وأستجّة، وهي جميعًا من مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون أخرى كثيرة - كما ذكرنا - وكل هذه المساحة كانت تمثّل تقريبا سدس مساحة الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت، هذه واحدة. الأمر الثاني أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصونًا كثيرة ويسيطر سيطرة كاملة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو إشبيلية. والأمر الثالث أنه كان هناك تمرّد في طليطلة (تقع في شمال قرطبة)، ورابعًا: تمرّد في سرقسطة في الشمال الشرقي، وخامسًا: تمرّد في شرق الأندلس في بلنسية، وسادسًا: تمرّد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي. أي أن الأندلس في عام 302 هـ= 915 م كانت مقسمة إلى ستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبد الرحمن الناصر، ويضم قرطبة وإشبيلية وما حولها بما يقارب سدس مساحة الأندلس كما ذكرنا، والخمسة الأخرى موزعة على خمس متمردين، والمتوقع - إذن - هو أن يحاول عبد الرحمن الناصر من جديد مقاومة إحدى مراكز التمرّد هذه إن لم تكن الأقرب إليه. وإن المرء ليقف متعجبًا حين يعلم أن عبد الرحمن الناصر ترك كل هذه التمرّدات، واتّجه صوب الشمال الغربي صوب مملكة ليون النصرانية مباشرة. ترك عبد الرحمن الناصر كل شيء وأخذ جنده من قرطبة وإشبيلية وصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى هناك، والتي كانت تهاجم منطقة من مناطق المتمردين غرب الأندلس. ظل عبد الرحمن الناصر في حرب مع قوات النصارى تلك في أرض المتمردين عامين كاملين، عاد بعدها منتصرا محملًا بالغنائم، تاركًا البلاد راجعًا إلى قرطبة وإشبيلية، وكأنه أراد أن يعلم الناس أمرًا ويرسل إليهم برسالة في منتهى الوضوح كانت قد خفيت عليهم، مفادها أن الأعداء الحقيقيين ليسو المسلمين في الداخل، إنما هم النصارى في الشمال، إنما هم في مملكة ليون، ومملكة نافار، ومملكة أراجون. بهذا العمل استطاع عبد الرحمن الناصر رحمه الله إحراج المتمردين إحراجًا كبيرًا أمام شعوبهم، كما استطاع أن يحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب نحو من يدافع عن قضاياها الخارجية، ونحو من يحارب أعداءها الحقيقيين. وهي نصيحة إلى أولياء أمور المسلمين بألا يتهاونوا بعواطف الشعوب، وأن يقدّروها حق قدرها، وأن يستميلوها بالتوجه نحو الأعداء الحقيقيين بدلًا من الصراع مع الجار أو القطر المسلم، فإذا كانت القضية هي فلسطين، أو هي الشيشان، أو هي كشمير، أو هي غيرها من قضايا المسلمين كان التوحّد والتجمّع، وكان الانسجام وعدم الفُرقة. نتائج توجه عبد الرحمن الناصر نحو الشمال الغربي فقِه الدرس ووعاه جيدًا عبد الرحمن الناصر، وبعد عامين من مهاجمة النصارى في الشمال في واحدة هي من أكبر الحملات التي قادها رحمه الله والتي انتهت في سنة 304 هـ= 917 م عاد بجيشه القليل نسبيًا محملًا بالغنائم، وذلك بعد انتصارات عديدة على النصارى هناك. كانت نتائج أخرى ليست أقل من سابقتها في انتظاره رحمه الله كانت أولاه أن أذعنت سرقسطة وانضمت إليه دون قتال، وكانت الثانية بمثابة هدية من رب العالمين لمن التزم دينه وجاهد في سبيله وثبت عليه، وهي موت صمويل بن حفصون مرتدًا وعلى نصرانيته في سنة 306 هـ= 919 م عن عمر يناهز ست وستين سنة. وفي سرعة يحسد عليها قام عبد الرحمن الناصر مستغلًا هذا الحدث، وضمّ إليه كل مناطق الجنوب الشرقي، وفي خطوة تالية استتاب النصارى الذين كانوا قد ارتدوا مع صمويل من الإسلام إلى النصرانية ثلاثة أيام، فمن تاب منهم وعاد إلى الإسلام قبله في جيشه، ومن أبى إلا أن يظل نصرانيا قتله ردة، وكان من هذا الصنف الأخير ابنة صمويل بن حفصون، وقد كانت تحفّز الناس على ألا يتركوا دين الآباء ودين النصرانية. |
رد: قصة الاندلس ...
عبد الرحمن الناصر والطريق إلى راية واحدة للأندلس
لم يلتقط عبد الرحمن الناصر رحمه الله أنفاسه، وقام في سنة 308 هـ= 921 م بالتحرك نحو واحدة من مراكز التمرد وهي طُلَيْطِلَة، تلك التي لم تستطع أن تقف أمام هذه القوة الجارفة فضمها إليه في سهولة، بعدها أصبح الطريق آمنًا نحو الشمال مباشرة؛ حيث سُرْقُسْطَة في الشمال الشرقي، وطُلَيْطِلَة في وسط الشمال قد أصبحتا في يده. وفي نفس العام 308 هـ= 921 م وعمره آنذاك ثلاثون سنة فقط، قام عبد الرحمن الناصر على رأس حملة ضخمة جدا باتجاه نصارى الشمال، فكانت غزوة موبش الكبرى بين عبد الرحمن الناصر من جهة، وجيوش ليون ونافار مجتمعة من جهة أخرى، واستمرّت هذه الغزوة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، حقق فيها عبد الرحمن الناصر انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضمّ إليه مدينة سالم وكانت تحت يد النصارى. بعد أربعة أعوام من غزوة موبش وفي سنة 312 هـ= 924 م قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه رحمه الله بحملة ضخمة أخرى على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدوداتٍ أن يكتسحها اكتساحًا، ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة بمبلونة عاصمة نافار، ثم بدأ بعدها يحرر الأراضي التي كان قد استولى عليها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية. وفي سنة 316 هـ= 928 م يقود عبد الرحمن الناصر حملة أخرى على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه، ثم في نفس العام حملة أخرى على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي ومن ثم يضم غرب الأندلس إلى أملاكه من جديد. وبذلك وبعد ستة عشر عامًا من الكفاح المضني، يكون رحمه الله قد وحّد الأندلس كله تحت راية واحدة، وحّدها جميعا ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عامًا بعد، رحمه الله رحمة واسعة. عبد الرحمن الناصر.. الإنسان من يقرأ أو يسمع عن مثل ما سبق يجول في خاطره أن مثل هذا الرجل لم يكن يعرف إلا طريقًا واحدًا، هو طريق العظمة والجدية التامّة، طريق العزّة وعدم الخنوع، وهذا وغن كان صحيحًا إلا أن من ينظر إلى شخص عبد الرحمن الناصر رحمه الله والذي ظلّ يحكم البلاد من سنة 300 هـ= 913 م إلى سنة 350 هـ= 961 م (نصف قرن كامل) ليرى العجب العجاب، فقد كان رحمه الله مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائم الذكر لربه سبحانه وتعالى سريع الرجوع إليه. فقد حدث ذات مرة قحط شديد في الأندلس، وقام الناس للاستسقاء، ولكنهم نظروا فلم يجدوا الخليفة معهم، فذهبوا يبحثون عنه، وكان يقوم بالصلاة المنذر بن سعيد رحمه الله فأرسل غلامًا للبحث عن عبد الرحمن الناصر، فذهب الغلام إلى القصر فوجده منفردًا بنفسه حائرًا، لابسًا أخشن الثياب، جالسًا على التراب، ودموعه قد بللت لحيته، يعترف بذنوبه ويقول: يا رب، هذه ناصيتي بيدك، أتُراك تعذّب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! يا رب، لن يفوتك شيء مني، فتركه الغلام وذهب إلى المنذر بن سعيد وأبلغه بما رأى، فقال المنذر: يا غلام، أبشر، احمل المطر معك؛ فقد أذن الله سبحانه وتعالى بالسقيا، فإذا خشع جبّار الأرض (يقصد من يملك الناس) فقد رحم جبّار السماء. وكان يقول الشعر أيضًا، ومن شعره: همم الملوك إذا أرادوا ذكرها من بعدهـم فبألسـن البنيـان إن البنـاء إذا تعاظـم شأنه أضحى يدل على عظـيم الشان وكان حكيما ذا فطنة وذكاء في تصرفاته، حتى أن الأمراء الأسبان بعد استقرار ملكه، كانوا يحتكمون إليه في خلافاتهم الداخلية. ومن سياساته الحسنة أنه رفع إليه أن تاجراً زعم أنه ضاعت له صرة فيها مائة دينار وأنه نادى عليها وجعل لمن يأتيه بها عشرة دنانير فجاءه بها رجل عليه سمة خير وذكر أنه وجدها فلما حصلت في يد التاجر ادعى أنها كانت مائة وعشرة وإن العشرة التي نقصت منها أخذها وغرضه أن لا يعطيه ما شرط له. فوقع الناصر: صدق الرجلان فناد على مال التاجر فإنه مائة وعشرة واترك المائة مع الذي أخذها إلى أن يجيء صاحبه. |
رد: قصة الاندلس ...
عهد جديد.. عهد الخلافة الأموية
نظر عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى العالم الإسلامي من حوله فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت، وكان قد قُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي، وقد تولى الأتراك حكم البلاد فِعْليا وإن كانوا قد أجلسوا الخليفة العباسي القادر بالله على كرسي الحكم. ثم نظر رحمه الله إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا الخلافة وسمّوا أنفسهم أمراء المؤمنين، فرأى أنه وقد وحّد الأندلس وصنع هذه القوة العظيمة أحق بهذه التسمية وبذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين، وسمى الإمارة الأمويّة بالخلافة الأموية. ومن هنا يبدأ عهد جديد في الأندلس هو عهد الخلافة الأموية، وذلك ابتداء من سنة 316 هـ= 928 م وحتى سنة 400 هـ= 1010 م أي نحو أربع وثمانين سنة متصلة، وهو يعد (عهد الخلافة الأموية) استكمالا لعهد الإمارة الأموية، مع فروق في شكليات الحكم وقوة السيطرة والسلطان لصالح الأخير. عبد الرحمن الناصر يتابع سياسته العسكرية التوسعية بعد ثلاث سنوات من إعلان الخلافة الأموية، وفي سنة 319 هـ= 931 م يتجه عبد الرحمن الناصر جنوبًا نحو مضيق جبل طارق، ويقوم بغزو بلاد المغرب ويحارب الفاطميين هناك فيضم سبتة وطنجة إلى بلاد الأندلس، وتتم له بذلك السيطرة الكاملة على مضيق جبل طارق، فيبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح، لكنه لم يشأ أن يمدّهم بالجنود تحسبًا لهجمات ممالك النصارى في الشمال. وفي سنة 323 هـ= 935 م تحدث خيانة من حاكم مملكة الشمال الشرقي "سرقسطة" محمد بن هشام التجيبي، حيث ينضم إلى مملكة "ليون" النصرانية لحرب عبد الرحمن الناصر، وبكل حزم وقوة يأخذ عبد الرحمن الناصر جيشًا كبيرًا يتصدى به لهذه الخيانة ويهاجم مدينة "سرقسطة"، وعند أطراف المدينة يهاجمه جيش "سرقسطة"، فيغزو عبد الرحمن الناصر قلعة حصينة ويمسك بقوّاد هذا الجيش، ويقوم بإعدامهم على الفور وأمام أعين الجميع في عمل لا يوصف إلا بالكياسة والحزم. وهنا أعلن حاكم "سرقسطة" محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر، وكعادة الأبطال الدهاة والساسة الحكماء قبل منه رحمه الله اعتذاره ثم أعاده حاكمًا على "سرقسطة"، رابحًا بذلك كل قلوب التجيبيين بعد أن كان قد تملك منهم، متشبهًا أيضًا برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال لأهل مكة بعدما دخلها فاتحًا، وكانوا قد طردوه منها وآذوه هو وأصحابه: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ. وبمنطق الحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة عمل عبد الرحمن الناصر، فأطلق حكّام "سرقسطة" بعد أن أعلنوا توبتهم وأعاد التجيبيين إلى حكمهم؛ فأثّر ذلك كثيرًا في المدينة كلها، فما ارتدت بعد ذلك على عهدها مع عبد الرحمن الناصر رحمه الله. وفي سنة 325 هـ= 937 م هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة "أراجون" النصرانيّة في الشمال الشرقي بجوار مملكة "سرقسطة" وضمّها إلى أملاك المسلمين، وكذلك ضم "برشلونة" والتي كانت قد سقطت منذ سنوات كثيرة. زلّة لا تخطئُ البشرَ ولا تعرفُ النسبَ أن تسير الأمور هكذا على الدوام أمر في غاية الصعوبة، ألّا تحدث زلّة فليس هناك بشر لا يخطئ، ولكل جوّاد كبوة، هذه ليست مبررات لما سيأتي بقدر ما هي بحث في العلّة والسبب في محاولةٍ لتجنّبه وتفاديه طالما سلّمنا أنه من شِيَم البشر. في سنة 327 هـ= 939 م وبعد سبع وعشرين سنة من بداية عهد عبد الرحمن الناصر كانت قوّة الجيش الإسلامي قد بلغت شأوًا عظيمًا، حيث ناهزت المائة ألف مقاتل، والأندلس آنذاك تحت راية واحدة، أخذ عبد الرحمن الناصر هذا الجيش العظيم متجهًا إلى مملكة "ليون" النصرانية ليحاربهم هناك. وفي زلةٍ لا تعرفها السنن الكونية راح عبد الرحمن الناصر يعتقد في جيشه وقوة عدده، ونسوا جميعًا الدعاء الذي كانوا يتضرعون به لرب العالمين وهم عَالةٌ ضعفاءُ أن ينصرهم على أعدائهم، وفي درسٍ قاسٍ له ولجيشه الجرّار، وفي حنين أخرى تدور واحدة من أشرس وأعنف المعارك على المسلمين، سميت بموقعة الخندق أو موقعة سامورة. وإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بسامورة تنقلب حُنَيْنًا، والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد من البشر نَسَبًا، فإذا أخطأ العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة، فانهزم جيش المسلمين في موقعة الخندق أو موقعة سامورة، وبانتهاء المعركة كان نصف عدد الجيش (خمسون ألفا) بين القتل والأسر، وفرّ عبد الرحمن الناصر رحمه الله مع النصف الآخر عائدين بأكبر خسارة وأثقل هزيمة. عبد الرحمن الناصر والعودة إلى سابق عهده بعد موقعة سامورة لم يستسلم عبد الرحمن الناصر رحمه الله، وهو الذي رُبّي على الجهاد والطاعة لربه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فعلم مواضع الخلل ومواطن الضعف، ومن جديد تدارك أمره وقام ومعه العلماء والمربّون يحفّزون الناس ويعلمونهم الإسلام. ومن جديد أعدوا العدة وقاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة 329 ه، 941 م تلتها حملات مكثفة وانتصارات تلو انتصارات، ظلّت من سنة 329 ه، 941 م إلى سنة 335 هـ= 947 م حتى أيقن النصارى بالهلكة، وطلب ملك "ليون" الأمان والمعاهدة على الجزية، يدفعها لعبد الرحمن الناصر عن يدٍ وهو صاغر. كذلك فعل ملك نافار، ومثلهما مملكة "أراجون" النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فدفعوا جميعًا الجزية ابتداءًا من سنة 335 هـ= 947 م إلى آخر عهده رحمه الله سنة 350 هـ= 961 م |
رد: قصة الاندلس ...
عبد الرحمن الناصر وفكره العسكري
ورث الأمير عبد الرحمن الناصر عن جده المؤسس للدولة الأموية في الأندلس عبد الرحمن الداخل مباديء أساسية للحرب ومنها: مبدأ المباغته: وقد ظهرت المباغته في الأعمال القتالية للخليفة الناصر بشكل معقد جدًا مما يشير إلى درجة التعقيد التي وصلتها الأعمال القتالية في أيامه، فهو يعتمد أحيانًا على المباغتة الزمنية، حيث يعمل على حشد القوات في ظاهر قرطبة خلال مرحلة مبكرة عما هو معهود في توجيه الصوائف للغزو، وفي أحيان أخرى يلجأ إلى المباغتة المكانية حيث يضلل أعداءه ليظهر في مكان غير متوقع من مسرح العمليات، بحيث لا يعرف أعداء الشمال نوايا الناصر، وإلى اين سيوجه ثقل قوات الهجوم، وفي أحيان أيضًا تأخذ المباغتة عند الناصر شكل مباغتة على مستوى العمليات وأحيانًا على المستوى الاستراتيجي، إذ لم يكن التوجه إلى عواصم دول الشمال "ليون ونافار" إلا نوعا من المباغتة الاسترتيجية، كما أن طريقة زجّ القوات وحجمها كان نوعًا من المباغتة على مستوى العمليات، وكانت مباغتة العمليات والمباغتة الاستراتيجية مميزة بشدة تعقيدها لما تبرزه متابعة مسيرة الأعمال القتالية حيث تمتزج فيها المباغتة الزمانية بالمكانية بطرائق زجّ القوات لتأخذ شكلًا متقدمًا ومتطورًا لمفهوم المباغتة. الموازنة بين إدارة الحرب وقيادة الأعمال القتالية: أراد الخليفة الناصر في بداية حكمه إعطاء أمثولة للجهاد بنفسه، فكان يقود المعارك بنفسه مدفوعًاإيمان الشباب وحماسته للحرب وممارستها بصورة فعلية، إلى جانب توافر الرغبة لحشد قوى المسلمين وتوجيهها وإثارة حميتها، وقد حقق نجاحًا رائعًا في هذا المضمار، حتى إذا استقامت له الأمور، لم تعد هناك حاجة للإقدام على مجازفة غير محسوبة، تضر بالإسلام والمسلمين بأكثر مما تفيدهم، فكان إمساك الخليفة الناصر بالإدارة العليا للحرب أكثر أهمية من قيادته للأعمال القتالية بنفسه؛ إذ سمح له ذلك بالإشراف على تنظيم الجيوش بصورة مستمرة، وإعادة تنظيمها كلما تطلبت الحاجة، وتزجيهها إلى ميادين القتال وتحديد واجباتها بدقة، وتامين متطلباتها من الإمداد والتموين. لقد بقيت الأندلس طوال عهد الناصر لدين الله في حرب مستمرة ومتواصلة وعلى كافة الميادين والجبهات، وكان ذلك يتطلب تأمين موارد غير محدودة، وقد أظهرت مسيرة الأعمال القتالية أن قوات المسلمين كانت في تعاظم مستمر، وأن متطلباتها كانت متوافرة، ولم تظهر ولو مجرد ظاهرة واحدة تشير إلى عيب أو خلل في التنظيم الإداري، وفي تأمين الإمداد للمقاتلين، وليس ذلك إلا برهانًا ساطعًا على تلك الكفاءة العالية التي ضمنت حشد الموارد الضرورية للقوات، الأمر الذي يعتبر في الجيوش القديمة والحديثة مقياسًا لكفاءة الإدارة المشرفة على الحرب، وهكذا فإن تخلّي الخليفة الناصر عن إدارة القتال قد ساعده على تحقيق واجب أكبر وهو الإدارة الشاملة للحرب، وتأمين متطلباتها، وضمان الظروف الموضوعية لتحقيق النصر. وقد تميز الفكر العسكري للخليفة الناصر لدين الله بملامح كثيرة وهامة مما يضيق المقام عن ذكره في هذه العجالة.... |
رد: قصة الاندلس ...
مظاهر الحضارة في عهد عبد الرحمن الناصر
ما سبق كان من التاريخ السياسي والعسكري لعبد الرحمن الناصر رحمه الله وواقع الأمر أن جهده لم يكن كله موجهًا فقط إلى الجيوش والحروب، بل إنه كان متكاملًا ومتوازنًا - رحمه الله - في كل أموره. فقد قامت في عهده أروع حضارة عرفتها البشرية في تاريخها القديم، استهلّها رحمه الله بإنشاء هياكل إدارية عظيمة، وأكثر من الوزارات والهيئات، وجعل لكل أمر مسئولًا ولكل مسئول وزارة كبيرة تضمّ عمالًا كثيرين وكتَبَة، وهذه نبذة عن أهم جوانب الحياة الحضارية في عصره: الجانب المعماري: كان من أهم ما يميز الناحية المعمارية في عهد عبد الرحمن الناصر تلك المدينة العظيمة التي أنشأها وأطلق عليها اسم مدينة الزهراء، وهي تقع في الشمال الغربي لمدينة قرطبة، وكان قد اضطر لإنشائها حتى يتسنّى له استقبال الوفود الكثيرة التي كانت تأتي إليه من كل بلاد العالم تخطب ودّه رحمه الله. كانت مدينة الزهراء على طراز رفيع جدًا، وقد استجلب لها عبد الرحمن الناصر رحمه الله موادًا من القسطنطينية ومن بغداد ومن تونس ومن أوروبا، وقد صُمّمت على درجات مختلفة: فكانت هناك درجة سفلى وهي للحراس والكتبة والعمال، ثم درجة أعلى وهي للوزراء وكبار رجال الدولة، ثم أعلى الدرجات في منتصف المدينة وفيها قصر الخلافة الكبير. وفي مدينة الزهراء أنشأ عبد الرحمن الناصر قصر الزهراء، ذلك القصر الذي لم يبق في التراث المعماري الإسلامي أبدًا مثله، فقد بالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه، فكان الناس يأتون من أوروبا ومن كل أقطار العالم الاسلامي كي يشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء. وهذه أيضا مدينة قرطبة وقد اتسعت جدًا في عهد عبد الرحمن الناصر، وبلغ تعداد سكانها نصف مليون مسلم، وكانت بذلك ثاني أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره بعد بغداد المدينة الأولى، والتي كان تعداد سكانها يبلغ مليونين. ضمت مدينة قرطبة ثلاث عشرة آلاف دار، والدار بلغة العصر هي المكان الواسع الفسيح الذي يضم بيتا وحديقة من حوله، وكان فيها ثمان وعشرون ضاحية، فضلًا عن ثلاثة آلاف مسجد، حتى أُطلق عليها في ذلك العصر وبحق جوهرة العالم. ثم هو أيضًا مسجد قرطبة وقد وسّعه رحمه الله حتى أصبح آية من آيات الفن المعماري، وكان محرابه عبارة عن قطعة رخام واحدة على شكل محارةٍ كان قد أتى بها من إيطاليا، وأنشأ أيضا حدائق للحيوان في كل أرض الأندلس ومسارح للطيور. الجانب الاقتصادي: كانت البلاد في عهده رحمه الله تعيش في رخاء منقطع النظير، فكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة ستة ملايين دينارًا ذهبًا، كان يقسمها ثلاثة أقسام كجدّه عبد الرحمن الداخل رحمه الله ثلث للجيش وثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك، والثلث الأخير للادّخار لنوائب الزمن. وكان قد اهتمّ رحمه الله اهتمامًا كبيرًا بالزراعة، وكانت قد كثرت الفواكه في عهده، وأولى رحمه الله زراعة القطن والكتّان والقمح عناية خاصّة لم تفق عنايته بقوانين الزراعة نفسها. مجال الصناعة والمناجم: كان من اهتماماته أيضًا استخراج الذهب والفضة والنحاس، وكذلك صناعة الجلود وصناعة السفن وآلات الحرث وكذلك صناعة الأدوية، وقام رحمه الله بإنشاء أسواق كثيرة متخصصة لعرض وتداول مثل هذه البضائع، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق للنحاسين، وأخرى لللحوم، بل كان هناك أيضًا سوق للزهور. الناحية الأمنية: عمّ الأمن والأمان عهد عبد الرحمن الناصر، فلم تقم أي ثوراتٍ عليه طيلة عهده الثاني، فكان جهاز الشرطة قد قوي كثيرًا، وكانت هناك الشرطة التخصصية، شرطة للنهار وأخرى لليل، وثالثة للتجارة ورابعة للبحر وهكذا، وكان البريد قد انتشر كثيرًا. كما أنشأ رحمه الله ما يُعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جدًا بمحاكم الاستئناف اليوم، وقد طوّر من شكل المحاكم، وحكّم الشرع وأقامه إقامة دقيقة، وما فرّط أبدًا في كلمة من كلمات الله سبحانه وتعالى أو سنّة من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم. الناحية العلمية: في عهده رحمه الله ازدهر العلم والتعليم بصورة ملحوظة، وقد اهتمّ كثيرًا بمكتبة قرطبة، تلك التي كانت قد تأسّست قبل ذلك الوقت، فزاد كثيرًا في حجمها حتى بلغ عدد الكتب فيها أربعمائة ألف كتاب، وهو زمن لم تظهر فيه الطباعة بعد، وإنما كانت عن طريق النسخ اليدوي. ومن أجل هذا فقد ظهرت وظائف جديدة للمسلمين لم يعتادوا عليها قبلًا، فظهرت مثلًا وظيفة النسّاخين، فإذا أراد أحد من الناس أن يمتلك كتابًا ما عليه إلا أن يذهب إلى نَسّاخ فيذهب النساخ بدوره إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ما يريد... كذلك أيضا ظهرت وظيفة الباحثين، فمثلًا لو وجدت مسألة من مسائل الفقه أو مسائل العقيدة أو السيرة، وصعب عليك أن تبحث عنها في أربعمائة ألف كتاب، فما عليك إلا أن تذهب إلى باحثين خبراء، فيبحثون لك عن كل ما تريد... السياسة الخارجية: ذاع صيت عبد الرحمن الناصر رحمه الله في الدنيا جميعًا، ورضيت منه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وقد جاءت السفارات من كل أوروبا تطلب ودّه، فجاءت من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، بل جاءت من أقصى شرق أوروبا من بيزنطة، وهي بعيدة جدًا عن عبد الرحمن الناصر لكنها جاءت تطلب ودّه وتهدي إليه الهدايا، وأشهرها كانت جوهرة ثمينة وضخمة جدًا، كان يضعها عبد الرحمن الناصر في وسط قصره الذي يقع في مدينة الزهراء. من ضمن ما جاءه من الرسائل كانت رسالة من ملك إنجلترا يرجوه فيها أن يعلّم أربعةً من علماء إنجلترا في مكتبة قرطبة أو في جامعة قرطبة، طلب منه ملك إنجلترا هذا الطلب ثم وقّع في آخر الرسالة: (خادمكم المطيع ملك إنجلتر). وهكذا كان عزّ الاسلام ومجده متمثلًا في عهد عبد الرحمن الناصر رحمه الله حتى أصبح بلا منازع أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى، الأمر الذي جعل إسبانيا في سنة 1963 م تحتفل وهي على نصرانيتها بمرور ألف سنة ميلادية على وفاة عبد الرحمن الناصر؛ لأنه كان أعظم ملوك إسبانيا على مرّ العصور، فلم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم بهذا الرجل الذي رفعهم في العالمين، والتي كانت الأندلس في عهده وبلا جدال أقوى دولة في العالم. |
رد: قصة الاندلس ...
قالوا عن عبد الرحمن الناصر...
قال عنه الذهبي: كان شجاعا شهما محمود السيرة،لم يزل يستأصل المتغلبين حتى تم أمره بالأندلس، واجتمع في دولته من العلماء والفضلاء ما لم يجتمع في دولة غيره. وله غزوات عظيمة ووقائع مشهورة. قال ابن عبد ربه: قد نظمت أرجوزة ذكرت فيها غزواته. قال: وافتتح سبعين حصنا من أعظم الحصون ومدحه الشعراء. وقال عنه الصفدي: ولم يكن بعد عبد الرحمن الداخل أجزل منه - أي الناصر - في الحروب وصحة الرأي والإقدام على المخاطرة والهول حتى نال البغية وبنى المدينة الزهراء فراراً بنفسه وخاصة جنده عن عامة قرطبة الكثيرة الهرج الجمة سواد الخلق فرتب الجيوش ترتيباً لم يعهد مثله قبله وأكرم أهل العلم واجتهد في تخيّر القضاة وكان مبخلاً لا يعطي ولا ينفق إلا فيما رآه سداداً... وقال اليسع بن حزم: نظر أهل الحل والعقد، من يقوم بأمر الإسلام، فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للأمر إلا عبد الرحمن بن محمد، فبايعوه... وها هو يتوفي رحمه الله سنة 350 هـ= 961 م عن اثنين وسبعين عامًا، وقد وجدوا في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم، فعدّوها فوجدوها أربعة عشر يومًا فقط. |
رد: قصة الاندلس ...
عهد الدولة العامرية والفتنة
كيف نشأت الدولة العامرية؟ وكيف انتهت؟ يعتبر محمد بن أبي عامر هو مؤسس هذه الدولة، وتبدأ قصته عندما كان أحد الوصايا على هشام بن الحكم، وبدأ في التخلص من باقي مجلس الوصاية، وسيطر على الخليفة صغير السن، وبدأ يقوِّي نفوذه في الدولة، حتى إنه عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور. وتبدأ هذه الدولة فعليًّا منذ سنة 366هـ/ 976م، وظلت حتىسنة 399هـ/ 1009م ولكنها كانت تابعة للدولة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم كان ما زال يحكم ولو بشكل رمزي، وبعد وفاة الحاجب المنصور سنة 392هـ/ 1002م تولى الحجابة بعده عبد الملك بن المنصور، وتوفي عبد الملك بن المنصور سنة 399هـ/ 1009م، وتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور، ولكنه كان ظالمًا فقتله الناس، وعزلوا هشام بن الحكم وتنتهي الدولة العامرية. انتشار الفتن بعد سقوط الدولة العامرية ويبدأ عهد يعرف باسم ملوك الطوائف تميزت هذه الفترة بكثرة الفتن والصراعات، مثل التي حدثت بين المهدي الذي تولى الحكم بعد هشام بن الحكم وبين سليمان بن الحكم الذي أعلنه البربر خليفة، وتحدث الكثير من النزاعات لتصل إلى الدرجة التي تجعل البعض يستعين بالنصارى، ثم يتدخل البربر ويعلنون خليفة منهم يسمى علي بن حمود، ولكن العامريين يتدخلون محاولين إعادة نفوذهم مرة أخرى، ويعلنون أحد الأمويين ويسمى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله خليفة، ولقبوه بالمرتضى بالله، وتدور الكثير من الصراعات بين البربر والعامريين، ويحاول العلماء التدخل لإصلاح هذه الأوضاع، ويعلنون قيام مجلس شورى لكي يحكم، وبالفعل يتولى الحكم ولكنه كان يسيطر على قرطبة فقط، أما باقي بلاد الأندلس فكانت تعيش في حالة من الفوضى والدمار، ومن ثَمَّ تنقسم الأندلس إلى دويلات متفرقة، ويبدأ عهد جديد يسمى "عهد ملوك الطوائف". ولكن ما أسباب التحول من القوة إلى الضعف؟ وما مكانة المسلمين اليوم بين القيام والسقوط؟ إن التحول من القوة إلى الضعف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، فإن أية دولة تبدأ من مرحلة النمو ثم تنمو هذه الدولة لتصل إلى مرحلة القوة والازدهار، ثم تبدأ الدولة في الانهيار تدريجيًّا حتى تصل إلى مرحلة الشيخوخة. والأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائمًا في قيام، فإذا سقطت أتبعالسقوطَ قيامٌ، أما بالنسبة إلى الوضع اليوم في العالم الإسلامي فلا يوجد خلافة إسلامية ولا تطبيق للشرع، ولكن ما نراه اليوم من كثرة عدد المصلين والمحجبات، والصحوة الجهادية في البلدان المحتلة يشير إلى أن إصلاح هذه الأمة سيكون قريبًا بإذن الله سبحانه وتعالى. الحَكَمُ بنُ عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وكبوة الجواد بالرغم من أنه كان من أفضل الحكام المسلمين على الأندلس إلا أن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في آخر عهده قد أخطأ خطأ جسيمًا، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج (شلل) فقام باستخلاف أكبر أولاده هشام بن الحكم وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة فقط، استخلفه على بلاد الأندلس وفوقها بلاد النصارى في الشمال ومن تحتها الدولة الفاطمية في الجنوب، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى الكيد بهذه القوة العظيمة وهزيمتها. وهي بلا شكٍ زلّة خطيرة من الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر؛ إذ كان عليه أن ينتقي من يستخلفه لهذه المهمة الجسيمة، ويولّي رجلًا آخر من بني أميّة، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية، كثيرة الأعداء متسعة الأطراف، ومترامية الأبعاد كدولة الأندلس. توفي الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر رحمه الله سنة 366 هـ= 976 م، مستخلفًا على الحُكم ابنه الطفل الصغير هشام بن الحكم، وقد جعل عليه مجلس وصاية مكون من ثلاثة أشخاص: الأول: الحاجب: وهو جعفر بن عثمان المصحفي، والحاجب أي الرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة مباشرة، وهو بمثابة رئيس الوزراء حاليًا. الثاني: قائد الشرطة: وهو محمد بن أبي عامر، وكان من اليمن. الثالث: أم هشام بن الحكم، وكان اسمها (صُبْح). |
رد: قصة الاندلس ...
محمد بن أبي عامر ت 392 هـ= 1002 م
كان محمد بن أبي عامر يملك طموحات ضخمة وآمال كبيرة أطمعته في أن يكون واليًا على هذه البلاد، ولتحقيق هذا الحلم قام بعدة مكائد غاية في الظلم والقسوة، فعمل على الآتي: أولًا: فكر في التخلص من الوصيين اللّذَيْن كانا معه على هشام بن الحكم، فدبر مكيدة سجن فيها الحاجب (جعفر بن عثمان المصحفي) ثم قتله بعد ذلك، ثم نظر إلى أمر أم هشام بن الحكم فوجد أن موقفها ضعيف بالنسبة له كقائد شرطة فتركها في قصرها، ثم تقلّد هو الأمور وحده، وبدأ يحكم بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم. ثانيًا: أراد محمد بن أبي عامر بعد ذلك أن يقوّي جانبه أكثر مما كان عليه، فتزوج من ابنة أمير الجيش غالب بن عبد الرحمن، وبذلك يكون قد حيّد جانب أمير الجيش، وضمن ولاء الجيش الأندلسي له، وحين انتبه غالب بن عبد الرحمن (أمير الجيش ووالد زوجته) له وعلم نيّاته وخطته وأفصح له عن ذلك، دبّر محمد بن أبي عامر له مكيدة أيضًا ثم قتله. ثالثًا: لم يكتف محمد بن أبي عامر بذلك، فقد قام باستدعاء جعفر بن علي بن حمدون قائد الجيش الأندلسي في المغرب، (كانت المغرب قد ضمت إلى بلاد الأندلس في عهد الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر كما ذكرنا) استدعاه إليه وقربه منه، واستفاد كثيرًا من قوته، ثم دبّر له مكيدة أيضا وقتله، وكان كلما قتل شخصا عيّن مكانه مَن يعمل برأيه وبوصاية منه، وبذلك يكون قد تملّك من كل الأمور في الأندلس. رابعًا: وبنظرة طويلة إلى الأمام بدأ محمد بن أبي عامر يقنع الخليفة الصغير هشام بن الحكم بالاختفاء في قصره بعيدًا عن العيون؛ وذلك - كما يزعم - خوفاً عليه من المؤامرات، وأن على الخلفاء أن يتفرغوا للعبادة ويتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو غيرهما، وهكذا أقنعه، وقام هو بإدارة دفّة البلاد، ورُبّي ونشأ هشام بن الحكم الطفل الصغير على هذا الفهم. بروز نجم محمد بن أبي عامر (الحاجب المنصور) مرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس، وهشام بن الحكم يكبر في السن لكنه لم يكن يعرف شيئًا عن الحكم وتحمُّل المسئولية، وفي 371 هـ= 982 م وبعد حوالي خمس سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه، كان الأمر قد استَتَبَّ لمحمد بن أبي عامر ولقّب نفسه بالحاجب المنصور. وكان من عادة الخلفاء قبل ذلك أن يطلقوا على أنفسهم ألقابًا تميزهم ويُعرفون بها وعليها كانوا يؤملون، وذلك مثل: الناصر بالله، الحاكم بأمر الله، المؤيد بالله، لكن هذه هي أول مرة يقوم فيها الوصي أو رئيس الوزراء أو الحاجب بأخذ لقب لنفسه وهو المنصور، الأمر الذي تطور كثيرًا حتى أصبح يُدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم، ثم نقش اسمه على النقود وعلى الكتب والرسائل. وإتمامًا لذلك وكما أنشأ عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر رحمه الله مدينة الزهراء في الشمال الغربي من مدينة قرطبة لتكون مركزًا لخلافته، قام محمد بن أبي عامر بإنشاء مدينة جديدة في شرق قرطبة سمّاها مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية. وبدأ محمد بن أبي عامر ينقل الوزارات ودواوين الحكم إلى مدينة الزاهرة، وأنشأ له قصرًا كبيرًا هناك، وبدأ يجمّل فيها كثيرًا، حتى أصبحت مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية هي المدينة الأساسية في الأندلس وبها قصر الحكم. |
رد: قصة الاندلس ...
الدولة العامرية 366 - 399 هـ= 976 - 1009م
بعد التمهيدات السابقة وفي الطريق نحو عهد جديد من تاريخ الأندلس قام محمد بن أبي عامر بعمل الآتي: أولًا: في سنة 381 هـ= 991 م قام بأمر لم يعهد من قبل في تاريخ الأندلس، بل في تاريخ المسلمين، حيث عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور، وكان المشهور والمتعارف عليه أن الخليفة وحده هو الذي يعهد بالخلافة من بعده. ثانيًا: وتمهيدًا لإقامة مُلْك على أنقاض بني أمية، قام في سنة 386 هـ= 996 م بتلقيب نفسه بلقب الملك الكريم، كل هذا وهشام بن الحكم الخليفة يكبر في السن، لكن ليس له من الأمر شيء. ثالثًا: قام محمد بن أبي عامر بعد ذلك بعمل خطير أدى - فيما بعد وعلى ما سنرى - إلى انقساماتٍ كثيرة في بلاد الأندلس، فقد كان محمد بن أبي عامر يمنيًا، واليمنيون في الأندلس ليسوا بكثرة، ولخشيته من الاستعانه بالقبائل المضرية وقبائل بني أمية معه في الجيش وبقية الأمور فكّر أن يستعين بعنصر آخر وهم البربر، فبدأ يعظّم من أمرهم ويرفع من شأنهم؛ حتى يضمن ولاءهم. بدأ العامريون يكثرون في أماكن الحكم في بلاد الأندلس، وبدأ التاريخ يسجل لهم عهدًا جديدًا سماه: الدولة العامرية، وقد بدأت فترة هذه الدولة فعليًا منذ سنة 366 هـ= 976 م، ومنذ أن تولى محمد بن أبي عامر أمر الوصاية على هشام بن الحكم، وظلت حتى سنة 399 هـ= 1009 م أي أنها استمرت ثلاثًا وثلاثين سنة متصلة، لكنها تعتبر داخلة في فترة الخلافة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم الأموي لا زال هو الخليفة حتى وإن كان رمزًا أو بعيدًا عن مجريات الأمور. جوانب مضيئة في حياة محمد بن أبي عامر: كما رأينا فقد تولّى محمد بن أبي عامر الحكم منذ سنة سنة 366 هـ= 976 م وحتى وفاته رحمه الله في سنة 392 هـ= 1002 م وقد بدأ عهده كما رأينا بمكائد ومؤامرات وقتلٍ - على الأقل - لثلاثة أنفس حتى وصل إلى تولّي كافة الأمور في الأندلس. ومن العجيب حقًا أنه - بالرغم من أفعال محمد بن أبي عامر هذه - إلا أنه كانت له محامد وجوانب مضيئة في حياته، جعلت جميع المؤرخين يتعجبون من سيرته ويقفون في حيرة من أمره، ومن هذه الجوانب ما يلي: أولا: كان مجاهدًا... كان غريبا حقا أن يغزو محمد بن أبي عامر في حياته أربعًا وخمسين غزوة لم يُهزم أبدًا في واحدة منها، بل كان الأغرب من ذلك هو أن يصل (الحاجب المنصور أو محمد بن أبي عامر) في فتوحاته إلى أماكن في مملكة ليون وفي بلاد النصارى لم يصل إليها أحد من قبل، بل لم يصل إليها الفاتحون الأوائل مثل موسى بن نصير وطارق بن زياد، فقد وصل الحاجب المنصور إلى منطقة الصخرة، تلك المنطقة التي لم تُفتح من قِبَل المسلمين من قبل، واستطاع رحمه الله أن يغزو النصارى في عقر دارهم، وها هو قد وصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلسي في الشمال. وكان من المتعارف عليه قبل ذلك أن الجهاد في الصوائف فقط، إلا إن الحاجب المنصور كان له في كل عام مرتان يخرج فيهما للجهاد في سبيل الله، عُرفت هاتان المرتان باسم الصوائف والشواتي. وهذه صور مشرقة من حياته الجهادية: 1- يُسيّر جيشًا جرارًا لإنقاذ نسوة ثلاث جاء عن الحاجب المنصور في سيرة حروبه أنه سيّر جيشا كاملًا لإنقاذ ثلاث من نساء المسلمين كن أسيرات لدى مملكة نافار، ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من شروط هذا العهد ألا يأسروا أحدًا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم، فحدث ذات مرة أن ذهب رسول من رسل الحاجب المنصور إلى مملكة نافار، وهناك وبعد أن أدّى الرسالة إلى ملك نافار أقاموا له جولة، وفي أثناء هذه الجولة وجد ثلاثا من نساء المسلمين في إحدى كنائسهم فتعجب لوجودهن، وحين سألهن عن ذلك قلن له إنهن أسيرات في ذلك المكان. وهنا غضب رسول المنصور غضبًا شديدا وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلا أن سيّر جيشا جرارًا لإنقاذ النسوة، وحين وصل الجيش إلى بلاد نافار دُهش ملك نافار وقال: نحن لا نعلم لماذا جئتم، وقد كانت بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل، ونحن ندفع لكم الجزية. وبعزة نفس في غير كبر ردّوا عليه بأنكم خالفتم عهدكم، واحتجزتم عندكم أسيرات مسلمات، فقالوا: لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النسوة الثلاث، فقال ملك نافار: إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن؛ فقد أسرهن جندي من الجنود وقد تم عقاب هذا الجندي، ثم أرسل برسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارًا كبيرًا، فعاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه الثلاث نساء. 2- يقطع النصارى عليه الطريق، فيُملي شروطه عليهم مما ذُكر عن الحاجب المنصور أيضًا أنه - رحمه الله - وهو في جهاده لفتح بلاد النصارى كان قد عبر مضيقًا في الشمال بين جبلين، ونكاية فيه فقد نصب له النصارى كمينًا كبيرًا، فتركوه حتى عبر بكل جيشه وحين همّ بالرجوع وجد طريق العودة قد قطع عليه، ووجد المضيق وقد أغلق تمامًا بالجنود. فما كان من أمر الحاجب المنصور إلا أن عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتلّ مدينة من مدن النصارى هناك، ثم أخرج أهلها منها وعسكر هو فيها، ووزّع ديارها على جنده، وتحصّن وعاش فيها فترة، ثم اتخذها مركزًا له يقود منه سير العمليات العسكرية، فأخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى، ويأخذ الغنائم ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتلّه النصارى ومنعوه من العودة منه. وهنا ضج النصارى وذهبوا مغاضبين إلى قوادهم يعرضون عليهم أن يفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلده مرة أخرى أو يجدوا حلًا لهم في هذا الرجل، فاستجابوا لهم وعرضوا على الحاجب المنصور أن يخلوا بينه وبين طريق العودة ويعود من حيث أتى، فما كان من المنصور إلا أن رفض هذا العرض، وردّ عليهم متهكمًا أنه كان يأتي إليهم كل عام مرتين، صيفًا وشتاءً، وأنه يريد هذه المرة أن يمكث بقية العام حتى يأتي موعد المرة الثانية، فيقوم بالصوائف والشواتي من مركزه في هذه البلاد بدلا من الذهاب إلى قرطبة ثم العودة منها ثانية. لم يكن مفر أمام النصارى سوى أن يطلبوا منه الرجوع إلى بلده وله ما يريد، فاشترط عليهم الحاجب المنصور في سبيل موافقته على عرضهم ما يلي: أولا: أن تفتحوا المضيق ولا تبقوا فيه نصرانيا واحدًا، فوافقوه على ذلك. ثانيا: أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها من أمام المضيق، فبدأوا يرفعون جثث الجنود الذين قتلوا من أمام المضيق وأبعدوها عنه. ثالثا: أن تحملوا لي جميع الغنائم من هنا إلى مقري في قرطبة، وبالفعل أجابوا إلى ذلك، وحملوا الغنائم التي حصّلها من بلادهم من ليون في الشمال حتى أوصلوها إلى قرطبة في الجنوب. 3- يجمع ما علق على ثيابه من غبار ليدفن معه في قبره مقتديًا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: لَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. (رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح). كان من عادة الحاجب المنصور رحمه الله في جهاده وبعد كل معركة أن ينفض ثوبه ويأخذ ما يخرج منه من غبار ويضعه في قارورة، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن معه هذه القارورة؛ وذلك حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى. إلا أنه ومع كل هذه الحروب ومع كل هذا الجهاد، ورغم أنه غزا أربعًا وخمسين غزوة ولم يهزم في واحدة منها قط، فلم يكن سمت حروب الحاجب المنصور سمتًا إسلاميًا مثل التي كانت في زمن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر أو الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، فقد كان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى عمقها، ويقتل منهم ثم يعود فقط محملًا بالغنائم، ولم يكن من همه أبدًا أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين، أو أن يُعلّم أهلها الإسلام، أو أن ينشر الدعوة في هذه البلاد، فبقي الحال كما هو عليه، بل إن الحمية زادت في قلوب النصارى وزاد حقدهم على المسلمين. ثانيا: اهتمامه بالجوانب الحضارية في البلاد من الجوانب الوضّاءة في حياة محمد بن أبي عامر أو الحاجب المنصور أيضًا اهتمامه الكبير بالجانب المادي والحضاري في البلاد، فقد أسسّ مدينة الزاهرة على أحسن ما يكون - كما ذكرنا - وزاد كثيرًا في مساحة مسجد قرطبة، حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية، وكان يشتري هذه المساحات ممن يقطنون حول المسجد وذلك بالمبلغ الذي يرضونه. وقد ذُكر في ذلك أنه كانت هناك سيدة وحيدة تسكن في بيت فيه نخلة بجوار المسجد، وقد أبت هذه السيدة أن تبيع بيتها هذا إلا إذا أَتى لها الحاجب المنصور بمنزل فيه نخلة كالذي تملكه، فأمر الحاجب المنصور بشراء بيت لها فيه نخله كما أرادت حتى ولو أتى ذلك على بيت المال، ثم أضاف بيتها إلى حدود المسجد. زاد الحاجب المنصور كثيرًا في المسجد بعد ذلك، حتى أصبح ولفترة طويلة من الزمان أكبر من أي مسجد أو كنيسة في العالم، وهو لا يزال إلى الآن موجودًا في إسبانيا، ولكنه - وللأسف - قد حُوّل إلى كنيسة بعد سقوط الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكذلك كانت العلوم والتجارة والصناعة وغيرها من الأمور قد ازدهرت كثيرًا في حياة الحاجب المنصور، وقد عمّ الرخاء وامتلأت خزانة الدولة بالمال، ولم يعد هناك فقراء تمامًا كما كان الحال أيام الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر أو أيام عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر نفسه. ثالثا: عدم وجود ثورات أو خروج عليه طيلة عهده كان الأمر اللافت للنظر أيضًا في حياة الحاجب المنصور أنه ورغم طول فترة حكمه التي امتدت من سنة 366 هـ= 976 م وحتى سنة 392 هـ= 1002 م لم توجد أي ثورات مطلقا، فلم تقم أي ثورة أو تمرّد في عهده على طول البلاد واتساعها واختلاف أمزجتها. فقد كان الحاجب المنصور رجلًا قويًا، محكِمًا للأمن والأمان في البلاد، كما كان عادلًا مع الرعية، ومما جاء في ذلك ما ترويه بعض الروايات من أنه جاءه يومًا رجل بسيط من عامة الشعب، يبغي مظلمة عنده، وقال له: إن لي مظلمة وإن القاضي لم ينصفني فيها، وحين سمع منه مظلمته أتى بالقاضي مستوضحًا منه الأمر، وكيف أنه لم ينصف الرجل في مظلمته، فقال له القاضي: إن مظلمته ليست عندي وإنما هي عند الوسيط ( بمكانة نائب رئيس الوزراء في زمننا )، فأحضر الحاجب المنصور الوسيطَ وقال له: اخلع ما عليك من الثياب (يقصد ثياب التميز والحكم) واخلع سيفك ثم اجلس هكذا كالرجل البسيط أمام القاضي، ثم قال للقاضي: الآن انظر في أمرهما، فنظر القاضي في أمرهما وقال: إن الحق مع هذا الرجل البسيط، وإن العقاب الذي أقضيه هو كذا وكذا على الوسيط، فما كان من الحاجب المنصور إلا أن قام بإنفاذ مظلمة الرجل، ثم قام إلى الوسيط فأقام عليه أضعاف الحد الذي كان قد أوقعه عليه القاضي، فتعجب القاضي وقال للمنصور: يا سيدي، إنني لم آمر بكل هذه العقوبة، فقال الحاجب المنصور: إنه ما فعل هذا إلا لقربه منا، ولذلك زدنا عليه الحد؛ ليعلم أن قربه منا لن يمكّنه من ظلم الرعيّة. |
رد: قصة الاندلس ...
الدولة العامرية بعد الحاجب المنصور
من خلف ستار الخلافة الأموية ظل الحاجب المنصور يحكم الأندلس ابتداءً من سنة 366 هـ= 976 م وحتى وفاته رحمه الله في سنة 392 هـ= 1002 م وقد استخلف على الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور، فتولّى الحجابة من حين وفاة والده وحتى سنة 399 هـ= 1009 م أي سبع سنوات متصلة، سار فيها على نهج أبيه في تولي حكم البلاد، فكان يجاهد في بلاد النصارى كل عام مرة أو مرتين، كل هذا وهو أيضا تحت غطاء الخلافة الأموية. في هذه الأثناء وعند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور أمر الحجابة كان الخليفة هشام بن الحكم قد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، ومع ذلك فلم يطلب الحكم ولم يحاول قط أن يُعمل نفوذه وسلطانه في بلاد الأندلس، فكان فقط قد تعود على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده. تولي عبد الرحمن بن المنصور وانتهاء الدولة العامرية في سنة 399 هـ= 1009 م من الهجرة وفي إحدى الحملات في الشمال يتوفي عبد الملك بن المنصور، ثم يتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور؛ حيث كان أولاد بني عامر يتملكون زمام الأمور في البلاد، وأخذ أيضًا يدير الأمور من وراء الستار، لكنه كان مختلفًا عن أبيه وأخيه، فبالإضافة إلى أن أمه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، فقد كان عبد الرحمن بن المنصور شابًا ماجنًا فاسقًا شَرّابًا للخمر فعالًا للزنا كثير المنكرات، فكان الشعب يكرهه بدرجة كبيرة، ذلك الشعب الذي كان غالبيته من المسلمين كان يكره أن يتولى أمره من جاء من أم نصرانية. وفوق ذلك فقد قام عبد الرحمن بن المنصور بعمل لم يُعهد من قبل عند العامريين، وهو أنه أقنع الخليفة هشام بن الحكم في أن يجعله وليًا للعهد من بعده، وبذلك لن يصبح الأمر من خلف ستار الخلافة الأموية كما كان العهد حال تولي والده محمد بن أبي عامر أو أخيه عبد الملك بن المنصور، فكان أن ضجّ بنو أميّة لهذا الأمر، وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على القيام بأي رد فعل؛ خاصة وأن عبد الرحمن بن المنصور قد جعل جميع الولايات في أيدي العامريين وفي يد البربر الذين هم أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور. ومع كل هذا الفسق وهذا المجون الذي كان يعيشه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعوّد حياة الجهاد، والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، وفي إحدى المرّات خرج عبد الرحمن بن المنصور على رأس جيش من الجيوش إلى الشمال، فانتهز الناس الفرصة وأرادوا أن يغيروا من الأمر، فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوّة وعينوا مكانه رجلًا من بني أميّة اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر (من أحفاد عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر)، ثم دبّروا مكيدة لعبد الرحمن بن المنصور وقتلوه، وانتهى بذلك ما يسمى في تاريخ الأندلس بعهد الدولة العامرية. |
رد: قصة الاندلس ...
قيام وسقوط الدول والحضارات... وقفة متأنية
بعد الوصول إلى هذه المرحلة من الضعف والتفتت والهوان، هناك تعليق عام، وتحليل، واستراحة على طول طريق الأندلس منذ الفتح وحتى هذه المرحلة، نستجلي فيه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في كونه بصفة عامة، وفي الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهي سنّة قيام وسقوط الأمم، وسنة الارتفاع والهبوط، تلك التي لوحظت بشكل لافت في الدولة الإسلامية خاصة. وحقيقةُ الأمر أنه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، بل حتى قيام الساعة، اقتضت سنّة الله في الأمم والحضارات بصفة عامة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر، فمن سنن الله أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة تتصل مباشرة بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب، فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خير وسعادة، وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والاندثار ما هي أهل له، قال تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:140}. وليست الأمة الإسلامية بمنأى عن هذه السنن الكونية، فمنذ نزول الرسالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيد عنها فيحدث الضعف ثم سقوط. وأسباب قيام الدولة الإسلامية كثيرة على نحو ما ذكرنا فيما مضى، والتي كان من أهمّها: أولًا: الإيمان بالله سبحانه وتعالى والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته. ثانيًا: الأُخوة، والوحدة، والتجمّع ونبذ الفرقة. ثالثًا: العدل بين الحاكم والمحكوم. رابعًا: العلم، ونشر الدين بين الشعوب. خامسًا: إعداد العدة، والأخذ بالأسباب [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ] {الأنفال:60}. فإذا أخذ المسلمون بهذه الأسباب فإنهم سرعان ما يقومون، وغالب الأمر يكون القيام بطيئًا ومتدرجًا، وفيه كثير من الصبر والتضحية والثبات، ثم بعد ذلك يكون القيام باهرًا، ثم يحدث انتشار للدولة الإسلامية بصورة ملموسة، حتى تفتح الدنيا على المسلمين، وهنا يصبر القليل على الدنيا وزينتها ويقع الكثيرون في الفتنة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. ومن جديد يحدث الضعف فالسقوط، وعلى قدر الفتنة بالمادة والمدنية يكون الارتفاع والانحدار، والسقوط والانهيار. وأمر الفتنة هذه هو الذي فقهه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سنة 17 هـ= 735 م حين أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرر في تاريخ المسلمين إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم. خاف عمر - رضي الله عنه - أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يُفتَنوا بالدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة لا أن يُدخله بلاد فارس، فإذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة: فلتقف الفتوح، ووددت لو أن بيني وبين فارس جبل من نار، لا أقربهم ولا يقربوني. ولم يعد رضي الله عنه إلى مواصلة الفتوح إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع. والأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائمًا في قيام، فإذا سقطت أتبع السقوط قيام،أما ألا يُتبَع السقوطُ قيامٌ فهذا ليس من سنن الله مع المسلمين، ولا يحدث إلا مع أمم الأرض الأخرى غير الإسلامية، تلك الأمم التي يغلب عليها سقوط واندثار لا يتبعه رجعة، حتى وإن طال أجل القيام والازدهار، ومن أصدق الأمثلة على ذلك حضارة الفراعنة، واليونان، وامبراطوريتي فارس والروم، وامبراطورية إنجلترا التي لا تغرب عنها الشمس...وهذه السُّنة الكونية يمثلها قوله تعالى: [كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة:21}. [وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {النور:55}. ومما يُثبت سنة الله هذه في الدولة الإسلامية ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه وصححه الحاكم ورواه في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. فمعنى هذا أنه سيحدث سقوط، ومن بعد السقوط ارتفاع وعلو، وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدد أو مجموعة مجددين، وهكذا إلى قيام الساعة. والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الفترات، ففيه الكثير من أحداث الارتفاع والهبوط ثم الارتفاع والهبوط، ولم يكن هذا خاصًّا بتاريخ الأندلس فقط؛ بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا ذلك بأعينهم، فبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - مباشرةً حدث سقوط ذريع وانهيار مروّع، وردّة في كل أطراف جزيرة العرب التي لم يبق منها على الإسلام سوى مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هَجَر (هي الآن في البحرين). وبعد هذا السقوط يحدث قيام عظيم وفتوحات وانتصارات، كان قد جدّد أمرها وغرس بذرتها أبو بكر رضي الله عنه بعد أن أجهض على الردّة، ثم فتحت الدنيا على المسلمين في عهد سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فحدثت الفتنة والانكسارات في الأمة الإسلامية، مما أدّى إلى مقتله - رضي الله عنه - وهو الخليفة الراشد وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظلّت طيلة خلافة سيدنا علي رضي الله عنه. ومن جديد يستتبّ الأمر وتقوم الدولة الأموية وتستكمل الفتوح، ثم فترة من الزمان ويحدث سقوط آخر حين يفسد أمر بني أمية، وعلى أَثَره يقوم بني العباس فيعيدون من جديد المجد والعزّ للإسلام، وكالعادة يحدث الضعف ثم السقوط، وعلى هذا الأمر كانت كل الدول الإسلامية الأخرى التي جاءت من بعدها، مرورًا بالدولة الأيوبية وانتهاءً بالخلافة العثمانية الراشدة التي فتحت كل شرق أوروبا، وكانت أكبر قوة في زمنها. فهي إذن سنة من سنن الله تعالى ولا يجب أن تفُتّ في عضد المسلمين، ولا بدّ للمسلمين من قيام بعد سقوط كما كان لهم سقوط بعد قيام، وكما ذكرنا سابقًا فإنه ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين أحد من البشر نسبًا، يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. فإن ضل المسلمون الطريق وخالفوا نهج نبيهم؛ فستكون الهزيمة لا محالة، وسيكون الانهيار المرّوع الذي شاهدناه في الأندلس، والذي نشهده في كل عهود المسلمين. |
رد: قصة الاندلس ...
سقوط الخلافة الأموية وانتهاء الدولة العامرية
كأن مقتل عبد الرحمن بن المنصور واشتعال الفتن والثورات في الأندلس كانا بميعاد، فمنذ أن قتل عبد الرحمن بن المنصور العامري انفرط العقد تمامًا في البلاد، وبدأت الثورات تكثر والمكائد تتوالى، وبدأت البلاد تُقسّم. كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية ومن ثَمّ سقوط الخلافة الأموية هو تولّي عبد الرحمن بن المنصور الحكم، ذلك الفاسق الماجن الذي أسقط بني أميّة وأحدَث هذه الاضطرابات الكثيرة في البلاد. وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله سبحانه وتعالى أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقلّ من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يؤدي إلى مثل هذا الفشل الذريع والسقوط المدوي للبلاد، فلا بدّ إذن أن يكون هناك أسباب وجذور أخرى كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن حتى وصلت أوجّها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثَمّ كان هذا التفتت وذلك الانهيار. وكما رأينا سابقًا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية وكيف كان لهذا الضعف أسباب وجذور تمتدّ إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لسقوط الدولة الأموية ومن ثَمّ الدولة العامرية نذكرها فيما يلي: السبب الأول: يرجع إلى زمن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ذاته، ذلك الرجل الفذ الذي اتّسم عصره بالبذخ والترف الشديد، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا، ومن ثَمّ انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدلّ على ذلك من قصر الزهراء الذي أنشأه عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر وكان آية في الروعة والجمال وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطنًا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه أيضا مبطنًا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول، ومع أن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر لم يكن مُقَصّرًا في الإنفاق في أي ناحية من النواحي مثل الإنفاق على التعليم أو الجيش أو غيره، إلا أن فعله هذا يعد نوعًا من البذخ والترف المبالغ فيه، أدّى في النهاية إلى أن تتعلق القلوب بالدنيا وزخرفها. ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر: ما تقول في هذا يا منذر (يريد الافتخار)؟ فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلا: ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة وفضلك على كثير من عباده تفضيلًا حتى ينزلك منازل الكافرين. فقال عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر: انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فردّ عليه المنذر: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم: [وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ] {الزُّخرف:33}. فقد ذكر الله سبحانه وتعالى السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز، يعني لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل، لكنّا لم نجعله، إلا أن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر فعله وجعل لقصره سقفًا من فضة. وهنا وجم عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر بعدما سقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه رحمه الله تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تبنى السُّقُف في ذلك الزمن، إلا أنه ولكثرة الأموال ومع مرور الوقت، كان مظهر الترف يعود ويبرز من جديد حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله سبحانه وتعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء:16}. السبب الثاني: توسيد الأمر لغير أهله: إضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تجسد هذا العامل واضحًا جليًا حين ولّى الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ابنه أمور الحكم في البلاد وهو ما زال طفلًا لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعد، فتحكم فيه الأوصياء وحدثت المكائد والمؤامرات، رغم ما كان من حياة الحَكَم الحافلة بالجهاد ونشر العلم والدين في البلاد. وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك حين أجاب السائلَ عن أمارات الساعة بقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أماراتها: أَنْ تُضَيَّعَ الْأَمَانَةُ، فقال السائل: وكيف إضاعتها فقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. وهكذا إذا تولّى من لا يستحق منصب من المناصب، فلا بد وأن تحدث الهزة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟ فقد ضيعت الأمانة ووسد الأمر لغير أهله، فكان لا بدّ أن تقع الأندلس والخلافة الأموية والدولة العامرية. السبب الثالث: انتفاء روح الجهاد الحقيقية ليصبح مجردًا للمادة وجمع الغنائم كان أيضا من أهم أسباب سقوط الدولة العامرية الملحقة بالخلافة الأموية أن الدولة العامرية اعتمدت في جهادها على الناحية المادية من جند وعدد وعدة ومال ومعمار، ولم تصرف نواياها إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ولم يجددوا تربية الشعب على الجهاد في سبيل الله طلبًا للجنة أو الموت في سبيل الله، فافتقد الشعب روح الجهاد الحقيقي ومعناه، وأصبح جلّ همّه جمع المال وعَدّ الغنائم. |
رد: قصة الاندلس ...
المهدي وبداية الفتنة وعهد ملوك الطوائف
من قريب كنا نتحدث عن الجهاد والفتوحات وعصر القوة والنفوذ، وها هو التاريخ يدير لنا ظهره ويبدأ دورة جديدة من دوراته في الأندلس، اتُّفق على تسميتها بعهد ملوك الطوائف، فكان من سنن الله عز وجل في كونه ألا تقوم أمة إلا ويكون لها سقوط كما كان لها قيام، يطول عهدها أو يقصر بحسب قربها أو بعدها من منهج من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. بعد خلع هشام بن عبد الملك بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الذي تلقب بالمهدي انفرط العقد تمامًا في الأندلس، فلم يكن يملك المهدي من لقبه إلا رسمه، فكان فتى لا يحسن قيادة الأمور وليس له من فن الإدارة شيء، فكان من أول أعماله في الحكم ما يلي: أولًا: ألقى القبض على كثير من العامريين ثم قتلهم، وثانيًا: بدأ ينتقم من البربر الذين كانوا العون الرئيس لمحمد بن أبي عامر (الرجل الأول في الدولة العامرية) ولمن خلفه في الحكم من أولاده، فبدأ يقتّل أيضًا فيهم ويقيم عليهم الأحكام حبسًا وتشريدًا. أثار هذا الفعل غير الحصيف من قبل المهدي غضبًا عارمًا لدى البربر والعامريين، بل وعند الأمويين أنفسهم الذين لم يعجبهم هذا القتل وذاك التشريد، وهذه الرعونة في التصرف، فبدأ يحدث سخط كبير من جميع الطوائف على المهدي. لم يكن ليقف الأمر عند هذا الحد، فقد تجمع البربر وانطلقوا إلى الشمال وهناك أتوا بسليمان بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وهو أخو هشام بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الخليفة المخلوع منذ شهور قليلة، فنصّبوه عليهم ولقبوه بخليفة المؤمنين، وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم هذا ومن ورائه البربر وبين المهدي في قرطبة. بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث غريب وجد سليمان بن الحكم ومن معه من البربر أن قوتهم ضعيفة ولن تقوى على مجابهة قوات المهدي، فقاموا بعمل لم يُعهد من قبل في بلاد الأندلس، فاستعانوا بملك قشتالة. كانت مملكة قشتالة هذه هي أحد جزئي مملكة ليون في الشمال الغربي بعد أن كان قد نشب فيها (مملكة ليون) حرب داخلية وانقسمت على نفسها في سنة 359 هـ= 970 م إلى قسمين، فكان منها قسم غربي وهو مملكة ليون نفسها، وقسم شرقي وهي مملكة قشتالة، وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستولّة، وتعني أيضًا قلعة باللغة الأسبانية، فحرفت في العربية إلى قشتالة، وكانت قد بدأت تكبر نسبيًا في أول عهد ملوك الطوائف فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي. وبين المهدي من ناحية وسليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى دارت موقعة كبيرة، هُزم فيها المهدي أو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وتولى سليمان بن الحكم مقاليد الحكم في بلاد الأندلس، وبالطبع كانت فرصة من السماء لملك قشتالة لضرب الأندلسيين بعضهم ببعض ووضع قاعدة لجيشه وجنده في أرض الأندلس، تلك البلاد التي لطالما دفعت الجزية كثيرًا للمسلمين من قبل. وفي فترة مدتها اثنتان وعشرون سنة يتولى حكم المسلمين في الأندلس ثلاثة عشر خليفة متتاليين، بدأت هذه الفترة بهشام بن الحكم في سنة 359 هـ= 970 م، ثم المهدي، ثم سليمان بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الذي تولى الحكم ولقب نفسه بالمستعين بالله (وكان قد استعان بملك قشتالة) وذلك في سنة 400 هـ= 1010 م. بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث أغرب وتدور الأحداث بعد ذلك، حيث يفرّ المهدي الذي انهزم أمام سليمان بن الحكم أو المستعين بالله إلى الشمال حيث طرطوشة، وفي طرطوشة وحتى يرجع إلى الحُكم الذي انتزعه منه سليمان بن الحكم والذي لم يبق فيه غير شهور قليلية فكّر المهدي في أن يتعاون مع أحد أولاد بني عامر، ذلكم الذين كان منذ قليل يذبّح فيهم جميعًا. كان المهدي قد قابل في طرطوشة رجلًا من قبيلة بني عامر يدعى الفتى واضح، والذي أقنع المهدي بأنه سيتعاون معه ليعيده إلى الملك من جديد ويبقى هو على الوزارة كما كان عهد الدولة العامرية من قبل، الأمر الذي وافق قبولًا لدى المهدي، فقبل عرض الفتى واضح وبدأ يتعاونان سويًا لتنفيذ مخططهما هذا. في بداية الأمر وجد الفتى واضح والمهدي أنهما لن يستطيعا أن يصمدا أمام قوة كبيرة مثل التي يملكها سليمان بن الحكم والبربر ومعهما ملك قشتالة، فهداهما تفكيرهما في الاستعانه بأمير برشلونة، وبرشلونة هذه كانت ضمن مملكة أراجون التي تقع في الشمال الشرقي للأندلس، والتي كان يدفع حاكمها الجزية لعَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ولابنه وأيضا للحاجب المنصور، فلما حدثت هذه الهزة في بلاد المسلمين انخلعت من هذه العباءة، وقامت من جديد، فكان أن استعان بجيشها المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة. وافق أمير برشلونة على أن يساعدهم لكن على شروط هي: أولا: مائة دينار ذهبية له عن كل يوم في القتال. ثانيا: دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال، وقد تطوع الكثير لحرب المسلمين، فكان عدد الجيش كبيرًا. ثالثا: أخذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر جيش برشلونة مع المهدي والفتى واضح. رابعا: أخذ مدينة سالم، وكانت مدينة سالم قد حررها قديما عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في عهد الخلافة الأمويّة، وهي بلا شك شروط قبيحة ومخزية، ولا ندري كيف يوافق مسلم على مثلها؟! لكن الذي حدث هو أنهم وافقوا على هذه الشروط، وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدًا في شمال قرطبة بين المهدي (محمد بن هشام بن عبد الجبار) ومعه الفتى واضح العامري ومعهم أمير برشلونة من جهة، وسليمان بن الحكم الخليفة الملقب بالمستعين بالله ومعه البربر من جهة أخرى، انتصر فيها المهدي ومن معه، وانهزم سليمان بن الحكم وفرّ ومن بقي معه من البربر، وسلمت مدينة سالم لأمير برشلونة، ومثلها الغنائم، وتولى المهدي الحكم من جديد في قرطبة. الفتى واضح وعودة هشام بن الحكم الخليفة المخلوع ولأنه زمن فتنة، فما فتئ المهدي يصل إلى الحكم في قرطبة حتى انقلب عليه الفتى واضح ثم قتله، وبدأ هو في تولى الأمور. كان الفتى واضح أذكى من عبد الرحمن بن المنصور، هذا الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك، فقد رفض أن يكون هو الخليفة؛ حيث اعتاد الناس أن يكون الخليفة أموي وليس عامري، ومن ثم فإذا فعل ذلك فسيضمن ألا تحدث انقلابات عليه، وأيضا يكون محل قبول لدى جميع الطوائف. ومن هنا فقد رأى الفتى واضح أن يُنصّب خليفة أموي ويحكم هو من ورائه، وبالفعل وجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور ويكون أفضل صورة لخليفة أموي هو هشام بن الحكم الخليفة المخلوع من قبل، هذا الذي ظل ألعوبة طيلة ثلاث وثلاثين سنة في يد محمد بن أبي عامر ثم في يد عبد الملك بن المنصور، ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور على التوالي. ذهب الفتى واضح إلى هشام بن الحكم وعرض عليه أمر الخلافة من جديد، وأنه سيكون رجله الأول في هذه البلاد، وعلى الفور وافق هشام بن الحكم الذي كان ملقبًا بالمؤيد بالله، وعاد من جديد إلى الحكم، لكن زمام الأمور كانت في يد الفتى واضح. سليمان بن الحكم وأعمال يتأفف من ذكرها التاريخ كان سليمان بن الحكم لم يُقتل بعد وما زال في البلاد يدبر المكائد؛ يريد أن يعود إلى الحكم من جديد، لم يجد أمامه إلا أن يعود مرة أخرى إلى ملك قشتالة (المرة الأولى كان قد ساعده على هزيمة المهدي والوصول إلى الحكم) ويعرض عليه من جديد أن يكون معه ضد الفتى واضح وهشام بن الحكم حتى يصل إلى الحكم. ولأن ملك قشتالة ذلك الخبيث كان يطمع فيما هو أكثر مما عند سليمان بن الحكم، فقد رد عليه بأن يمهله عدة أيام حتى يعطيه الجواب، وخلال هذه الأيام كان قد ذهب ملك قشتالة إلى هشام بن الحكم (الحاكم في ذلك الوقت) وأخبره بما كان من أمر سليمان بن الحكم منتظرا الجواب والمقابل في عدم مساعدته له (لسليمان) في حربه إياه، وهنا كان العجب العجاب، فما كان من هشام بن الحكم إلا أن خيّر ملك قشتالة بين عدة أمور، كان من بينها: إعطائه كل الحصون الشمالية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، ذلك الخيار الذي قبله ملك قشتالة؛ فتوسعت قشتالة جدا حتى أصبحت حدودها أكبر من حدود مملكة ليون، بالرغم من أنها كانت جزءا صغيرا منفصلا عن مملكة ليون، وعظمت بذلك البلاد النصرانية في الشمال. وإنها لكارثة كبيرة قد حلت بديار الإسلام، فقد حدثت كل هذه الأحداث من القتل والمكائد والصراعات والاستعانة بالنصارى ثم دخولهم بلاد المسلمين، كل ذلك في ثلاث سنوات فقط. وفي سنة 403 هـ= 1012 م حيث هشام بن الحَكم على الحُكم، قام سليمان بن الحكم ومن معه من البربر بعمل لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل وحتى هذه اللحظة، فقد هجموا على قرطبة وعاثوا فيها، فسادا، وقتلا، واغتصابا للنساء، ثم من جديد يتولى سليمان بن الحكم (المستعين بالله) الحكم في بلاد الأندلس، وطرد هشام بن الحكم من البلاد، ثم قتل بعد ذلك، وكان مقر الحكم آنذاك هو قرطبة، لكن البلاد كانت مفككة تماما، وقد فر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها. المفاجأة الكبيرة والمثيرة حقا أن كل هذه الأحداث السابقة والمليئة بالمكائد والمؤامرات، والتي حملت الأسى والألم لكل المسلمين، كانت بين أخوين لأب واحد هو القائد المظفر الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وكان خطأه والذي يدركه الجميع الآن هو أنه وسد الأمر لغير أهله، واستخلف على الحُكم من لا يملك مؤهلات الحُكم، وهو هشام بن الحَكم. البربر والانقلاب على سليمان بن الحكم وتأجج الصراعات من سنة 403 هـ= 1012 م ظل سليمان بن الحكم يتولى الحكم، وكان غالبية جيشه من البربر، وفي سنة 407 هـ= 1016 م وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، وفي هذا الزمن المثخن بالصراعات والفتن فكر البربر: لماذا لا نتملك نحن الأمور؟ وعلى الفور أسرعوا وكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب، ثم هجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم، بل وقتلوه، وتولى الحكم في بلاد الأندلس علي بن حمود الذي كان من البربر، وتسمى بالناصر بالله. استقر الأمر لعلي بن حمود في قرطبة وقام بتعيين أخاه القاسم بن حمود على إشبيلية في سنة 407 هـ= 1016 م، وأصبح البربر هم الخلفاء الذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها. لم يرض العامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس بهذا الوضع، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن أموي آخر وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أحد أحفاد عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، ثم بايعوه على الخلافة، وقد تلقب بالمرتضي بالله. جاء العامريون ومعهم المرتضي بالله إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب كبيرة بين العامريين وخليفتهم المرتضي بالله، والبربر وعلى رأسهم علي بن حمود، كان من أعجب ما نتج عن هذه الموقعة أن قُتل الخليفتان علي بن حمود والمرتضي بالله، لكن البربر تمكنوا من الانتصار في نهاية المعركة، وتولى حكم الأندلس منهم القاسم بن حمود الذي كان حاكما لإشبيلية من قِبَل أخيه الذي قُتل. أحضر العامريون أمويًا آخر، وقامت بعد ذلك صراعات كثيرة، واستمرّ الوضع على هذا الحال حتى سنة 422 هـ= 1031م. |
رد: قصة الاندلس ...
انتهاء عهد الخلفاء والأمراء وتولّي مجلس شورى للحكم
في محاولة لحل هذه الأزمة التي تمرّ بها البلاد، وفي محاولة لوقف هذه الموجة من الصراعات العارمة، اجتمع العلماء وعلية القوم من أهل الأندلس، وذلك في سنة 422 هـ= 1031م، ووجدوا أنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور؛ فلم يعد من يأتي منهم على شاكلة من سبقوهم، فاتفقوا على عزل بني أمية تمامًا عن الحكم، وإقامة مجلس شورى لإدارة البلاد. وبالفعل كونوا مجلس شورى في هذه السنة، وولوا عليه أبا الحزم بن جهور لإدارة البلاد، وكان أبو الحزم هذا من علماء القوم، كما كان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال على هذا الوضع ما يقرب من ثلاث سنوات. لكن حقيقة الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط من بلاد الأندلس، أما بقية البلاد والأقاليم الأخرى فقد ضاعت السيطرة عليها تماما، وبدأت الأندلس بالفعل تُقسّم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف، أو عهد ملوك الطوائف. وقد ذكرنا سابقا أن مساحة الأندلس كانت ستمائة ألف كيلو متر مربع، فإذا طرحنا منها ما أخذه النصارى في الشمال؛ فإن النتيجة هي أربعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع (أقل من نصف مساحة مصر) مقسمة إلى اثنتين وعشرين دولة، كل منها بكل مقومات الدولة المتكاملة من رئيس، وجيش، ووزارات، وعملة، وسفراء، فتفتت المسلمون في الأندلس تفتتا لم يُعهد من قبل في تاريخهم، وفقدوا بذلك عنصرا مهما جدا من عناصر قوتهم وهو الوحدة، فكان الهبوط على أشد ما يكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. المرحلة التي يعيشها المسلمون الآن وتصنيفها قد يتساءل المرءُ: ما هو تصنيفنا كمسلمين في هذا العصر وفقًا للمراحل السابقة ما بين الارتفاع والهبوط أو القيام والسقوط؟ وواقع الأمر وكما هو واضح للعيان أن الأمة الإسلامية تمرّ الآن بمرحلة من مراحل السقوط، سقوط كبير وضعف شديد وفرقة للمسلمين، سقوط مباشر لسقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي، وهو أمر طبيعي ودورة طبيعية من دورات التاريخ الإسلامي، وسنّة من سنن الله تعالى كما رأينا. إلا أن مرحلة السقوط الأخيرة هذه قد شابها أمران لم تعهدهما الدولة الإسلامية ولم يتكررا من قبل في مراحل سقوطها المختلفة... الأمر الأول هو: غياب الخلافة، إذ حدث ولأول مرة في التاريخ أن يصبح المسلمون بلا دولة واحدة تجمعهم، فرغم ما كان وما يكون من السقوط والانهيار على مدى فترات الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية، إلا أنه لم تكن لتغيب صورة الخلافة عن الأذهان بحالٍ من الأحوال، منذ الدولة الأموية في القرن الأول الهجري وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث كان الإسلام سياسيًا (دين ودولة) طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان. الأمر الثاني وهو: غياب الشرع الإسلامي، فلم يكن أيضًا في أي من عصور السقوط السابقة للدول الإسلامية، مع ما يصل المسلمون إليه من تدنٍ وانحدار لم يكن أبدا يُلغى الشرع أو يغيب، نعم قد يُتجاوز أحيانًا في تطبيق بعض أجزائه، لكن لم يظهر على الإطلاق دعوة تنادي بتنحية الشرع جانبًا، وتطبيق غيره من قوانين البشر مما هو أنسب وأكثر مرونة على حسب رؤيتهم. وإن مثل هذين العاملين ليجعلان من مهمة الإصلاح والتغيير أمرًا من الصعوبة بمكان، ورغم ذلك فإنه وكما وضحنا ليس بمستحيل؛ لأن المستحيل هنا هو التعارض مع سنن الله سبحانه وتعالى التي تقول بأن دولة الإسلام في قيام حتى قيام الساعة. وهناك من المبشّرات نحو قيام الدولة الإسلامية الآن الكثير والكثير، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1342 هـ= 1924 م كان قد حدث انحدار كبير - ولا شك - في معظم أقطار العالم الإسلامي إن لم يكن كله (بعد سقوط الخلافة العثمانية أُقيمت الدول العربية عدا السعودية على أساس علماني شبيه بالدول الغربية)، وظلّ هذا الوضع حتى أوائل السبعينيات، ثم كانت الصحوة في كل أطراف الأمّة الإسلامية في منتصف السبعينيات وإلى يومنا هذا. ونظرة واحدة إلى أعداد المصلين في المساجد خاصة الشباب، وإلى أعداد المحجبات في الشوارع في كل أطراف العالم الإسلامي، وانتشار المراكز الإسلامية في كل بلاد أوروبا وفي أمريكا، والصحوة الجهادية في البلاد المحتلة مثل فلسطين والعراق والشيشان وغيرها، وحال الإسلام في جمهوريات روسيا السابقة بعد احتلال نصراني وشيوعي دام لأكثر من ثلاثمائة عام نظرة واحدة إلى مثل هذه الأمور وغيرها يبشر بالقيام من جديد. وهو ولا شك قيام ينحو الخطى البطيئة المتدرجة لكنه لا ينفي العلو والانتشار المرجو منه، وهذه سنة أخرى من سنن الله عز وجل فلا يجب أن يُستعجل التمكين، ولنا فيما مضى من تاريخ الأندلس، وفي التاريخ الإسلامي بصفة عامة، ومنذ أن أسّس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من عشر سنين الدولة الإسلامية التي ناطحت أكبر قوتين في زمنهما، وكان قد أوذي وطرد وهو وأصحابه من بلدهم، منذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الخلافة العثمانية لنا خير دليل ومعين. [فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر:43}. |
رد: قصة الاندلس ...
عهد ملوك الطوائف
كانت الأندلس في عهد ملوك الطوائف مقسمة إلى عدد من الدويلات، إضافة إلى أن هذه الدويلات كانت مقسمة داخليًّا، ووصل تعدادالدويلات إلى اثنتين وعشرين دويلة، عُرفت بدول الطوائف أو ملوك الطوائف. وكانت أوضاع هذه الدويلات في غاية السوء؛ فقد كانت هناك نزاعات بين الإخوة فيما بينهم، الأمر الذي تطور إلى أن يستعين البعض بالنصارى في حربه ضد المسلمين. هل كان هناك من لا يوافق على هذه الأوضاع؟ والإجابة هي نعم، كان هناك من يرفض هذه الأوضاع ولا يقبل أن يدفع الجزية للنصارى، مثل المتوكل بن الأفطس وكان يحكم مملكة بطليوس، ورفض دفع الجزية لألفونسو السادس، وكان هناك علماء أيضًا يرفضون هذه الأوضاع، وينادون بالإصلاح مثل الفقيه الإسلامي ابن حزم، وابن عبدالبر أيضًا، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم من أبناء الأندلس نفسها، ولكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشريندولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط. ولكن هل باقي أمراء الأندلس على نفس موقف المتوكل بن الأفطس والعلماء؟ وما نتيجة تخاذل هؤلاء الأمراء؟ والإجابة هي لا، فلم يكن باقي الأمراء على شاكلة المتوكل بن الأفطس ولا على شاكلة العلماء، بل كان كل هدفهم هو الدنيا والتنافس بين بعضهم البعض والاستعانة بالنصارى، وكانت نتيجة هذا التخاذل هي سقوط طُلَيْطِلَة، أما النتيجة الثانية لهذا التخاذل هي حصار إشبيلية. ولكن حدث شيء يعطي الأمل في الإصلاح! بعد محاولة ألفونسو السادس حصار إشبيلية هدده المعتمد على الله بن عباد إن لم ينسحب سيستعين بالمرابطين، فانسحب على الفور. والمرابطون همأبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تربّعت على المغرب العربي وما تحته. اتفق بعض أمراء المسلمين مثل المعتمد على الله بن عباد والمتوكل بن الأفطس، وعبد الله بن بلقينصاحب غرناطة أن يرسلوا إلى دولة المرابطين، ويطلبوا منها أن تأتي للقضاء على النصارى، وكان هذا جزءًا من التوجه الشعبي العام لاستدعاء المرابطين لنصرتهم؛ فأرسلوا إلى يوسف بن تاشفين (410- 500 هـ/ 1019- 1106م) لكي يأتي ويحارب النصارى. عهد ملوك الطوائف ( 400 - 484 هـ 1009 - 1091 م ) هو ذلك العهد الذي قسمت فيه بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة هي كما يلي: أولًا: بنو عَبَّاد: وهم من أهل الأندلس الأصليين الذين كان يطلق عليهم اسم المولدين، وقد أخذوا منطقة إشبيلية. ثانيًا: بنو زيري: وهم من البربر، وقد أخذوا منطقة غرناطة، وكانت إشبيلية وغرناطة في جنوب الأندلس. ثالثًا: بنو جهور: وهم الذين كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، وقد أخذوا منطقة قرطبة وسط الأندلس. رابعًا: بنو الأفطس: وكانوا أيضا من البربر، وقد استوطنوا غرب الأندلس، وأسسوا هناك إمارة بطليوس الواقعة في الثغر الأدنى. خامسًا: بنو ذي النون: كانوا أيضا من البربر، واستوطنوا المنطقة الشمالية والتي فيها طليطلة وما فوقها - الثغر الأوسط -. سادسًا: بنو عامر: وهم أولاد بني عامر والذين يعود أصلهم إلى اليمن، استوطنوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم بلنسية. سابعًا: بنو هود: وهؤلاء أخذوا منطقة "سَرْقُسْطَة" - الثغر الأعلى -، تلك التي تقع في الشمال الشرقي. وهكذا قسمت بلاد الأندلس إلى سبعة أقسام شبه متساوية، كل قسم يضم إما عنصرا من العناصر، أو قبيلة من البربر، أو قبيلة من العرب، أو أهل الأندلس الأصليين، بل إن كل قسم أو منطقة من هذه المناطق كانت مقسمة إلى تقسيمات أخرى داخلية، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية داخل أراضي الأندلس عامة إلى اثنتين وعشرين دويلة، وذلك رغم وجود ما يقرب من خمس وعشرين بالمائة من مساحة الأندلس في المناطق الشمالية في أيدي النصارى. وقد سادت الأندلس - بعد سقوط الخلافة - حالة من الارتباك والحيرة تبينت خيوطها السوداء بقيام دول متعددة فيه، عُرفت بدول الطوائف ( دويلات أو ملوك أو أمراء الطوائف). هذه التسمية واضحة المدلول في وصف حال الأندلس الذي توزعته عدة ممالك، وإن تفاوتت قوتها وأهميتها ومساحتها ودورها في أحداث الأندلس، كان بعضها يتربص ليحوز ما بيد غيره من الأمراء، مثلما كانت سلطات أسبانيا النصرانية تتربص بهم جميعًا، لا تميّز حتى من كانت له معها صداقة أو عهد. ذلك ديدن سلطات أسبانيا النصرانية، وقبل هذه الظروف يوم كانت تتمتع الأندلس بالقوة؛ فكيف الآن وقد تغير ميزان القوى في الجزيرة الأندلسية، وغدت هذه السلطات هي الأقوى؟... التاريخ الأندلسي: 326 |
رد: قصة الاندلس ...
ثنتين وعشرين دويلة ونظرة عامة إلى واقع الفُرقة
ذكرنا سابقًا أنه بعد موت عبد الرحمن بن المنصور العامري، الحاجب الذي كان يتولّى الحجابة على هشام بن الحكم الخليفة الصورة، حدث انهيار مروّع وانفرط العقد تمامًا في أرض الأندلس، وقُسّمت البلاد إلى اثنتين وعشرين دويلة، رغم تآكل مساحة الأندلس عليهم من قِبل النصارى في الشمال. وإذا نظرنا إلى واقع هذه الدويلات وواقع هذا التفتت وتلك الفرقة نجد الملامح التالية: أولًا: تلّقب كل حاكم ممن حكموا هذه الدويلات بلقب أمير المؤمنين، ليس فقط أمير مدينة ولكنه أمير المؤمنين، وكأنه يستحق أن يكون أمير المؤمنين في الأرض. فكان الرجل في هذا الوقت يسير مسيرة اليوم والليلة فيمر على ثلاثة من أمراء المؤمنين؛ لأن كل دويلة من هده الدويلات كانت مساحتها صغيرة جدا ربما لا تتجاوز مساحة محافظة من المحافظات في أي دولة الآن، وكان لكل دويلة أمير وجيش خاص بها، وسياج من حولها وسفراء وأعلام، وهي لا تملك من مقوّمات الدولة شيء. وليت كل (أمير) بعد هذه المآسي التي ألمّت بالمسلمين ليته قد ظلّ في منطقته ولم يطمع في أرض أخيه المجاورة له، إلا أنه ورغم هذا بدأ كل منهم بافتعال الصراعات بسبب الحدود، وأصبحت المدن الإسلامية وحواضر الإسلام في الأندلس وللأسف تحارب بعضها بعضًا، فهذه "قرطبة" تتصارع مع "إشبيلية"، وهذه "بَلَنْسِيَّة" تتصارع و"سراقسطة"، وعلى هذا الوضع ظلّ الصراع بين المالك الإسلامية في هذه الفترة. وإنه لأمر يدعو إلى الدهشة ويجعل المرء ليتساءل: إذا كان هذا الأمير الذي يحارب أخاه شريرًا، ورجلًا خارجًا عن القانون، وبعيدًا عن تعاليم الشرع، ويحارب من أجل الدنيا، فأين شعب هذا الأمير؟! أين الجيش الذي هو من عامة الشعب؟! وكيف زُيّن للشعوب أن يحاربوا إخوانهم المسلمين المجاورين لهم؟! وفي محاولة لتحليل هذا الوضع نقول: كانت هناك أمور مخجلة في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت، فالإعلام السائد في هذه الفترة وهو الشعر الذي يمجّد فيه الشعراءُ القادة أو الأمراء، ويصورونهم وكأنهم أنصاف آلهة، فهم أهل الحكمة والتشريع، وأهل العظمة والبأس، وأهل النخوة والنجدة، وهم (الأمراء) أهل الإنجازات الضخمة والأموال العظيمة، فيُفتن الناس والشعوب بمثل هذه الصفات وهذا العلوّ في الأرض فيتبعونهم فيما يقولون [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] {الزُّخرف:54}. وهناك أيضا تحكُّم وضغط شديدين من قِبل الجيوش التي تتبع الحكام على الشعوب، فكانوا يحكمونهم بالحديد والنار؛ فلا يستطيعون أن ينبثوا بمخالفة أو اعتراض أمام الطواغيت. وبالإضافة إلى هذا فقد ظهر أيضًا في هذه الفترة الفتاوى الخاصة والتي تصرّح لهؤلاء الأمراء بفعل ما يحلو لهم، ففتوى تصرح لقرطبة غزو إشبيلية، وأخرى تصرح لإشبيلية غزو بطليوس، وثالثة تصرح لبطليوس غزو ما حولها. ثانيًا: كان هناك أيضا كارثة محققة وجريمة كبرى اقترفها أمراء بعض هذه الدويلات، وظلت ملمحًا رئيسيًا في هذه الفترة، وهي استجداء النصارى والاستقواء بهم، فقد كانت كل دويلة ذات جيش لكنه جيش ضعيف البنية قليل السلاح، ومن ثَمّ فلا بد لهم من معين يستقوون به في حربهم ضد إخوانهم، فتزلّفوا إلى النصارى في شمال الأندلس يتخذونهم أولياء ونصراء على إخوانهم، فمنهم من توجه إلى أمير "قشتالة"، ومنهم من توجّه إلى أمير "أراجون"، وأيضا إلى أمير "ليون". هذه الممالك النصرانية التي لم تكن تمثّل أكثر من 24 % فقط من أرض الأندلس، وكانت تدفع الجزية إلى عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر ومن بعده الحاجب المنصور. ثالثًا: وأشد وأنكى مما سبق فقد بدأ أمراء المؤمنين في هذه الفترة يدفعون الجزية للنصارى، فكانوا يدفعون الجزية لألفونسو السادس حاكم إمارة "قشتالة"، تلك التي توسعت على حساب المسلمين في هذا العهد (عهد ملوك الطوائف) وضمّت إليها أيضًا مملكة "ليون"، فأصبحت "قشتالة" و"ليون" مملكة واحدة تحت زعامة ألفونسو السادس أكبر الحكام النصارى في ذلك الوقت. فكان أمراء المؤمنين -!! - يدفعون الجزية حتى يحفظ لهم ألفونسو السادس أماكنهم وبقاءهم على الحكم في بلادهم، كانوا يدفعون له الجزية وهو يسبّهم في وجوههم فما يزيدون على أن يقولوا له: ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا على أن تحافظ لنا على مكاننا في هذه البلاد حاكمين. وكأن قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] {المائدة:51،52}. كأنه قد نزل في أهل الأندلس في ذلك الوقت؛ حيث يتعلّلون ويتأولّون في مودة وموالاة النصارى بالخوف من دائرة تدور عليهم من قبل إخوانهم. وهنا يعلّق سبحانه وتعالى بقوله: [فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ] {المائدة:52}. وهو بعينه الذي سيحدث في نهاية هذا العهد كما سنرى حين يكون النصر فيُسِرّ هؤلاء في أنفسهم ما كان منهم من موالاة النصارى في الظاهر والباطن، ويندمون حين يفضحهم الله ويظهر أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، وذلك بعد أن كانوا مستورين لا يدرى أحدٌ كيف حالهم. وإنها لعبرة وعظة يصورها القرآن الكريم منهج ودستور الأمة في كل زمان ومكان: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {المائدة:57}. |
رد: قصة الاندلس ...
صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات
أولًا: أنفة وعزّة في زمن عز أن تُشُمّ رائحتهما كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجل واحد يملك عزّة وأنفًا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو "المتوكل بن الأفطس" أمير مملكة "بطليوس". فرغم ذلك الجو المليء بالذل والخزي، ورغم أن مملكة "بطليوس" هذه كانت صغيرة جدًا، إلا إن "المتوكل بن الأفطس" لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتزّ بإسلامه ولم يقبل الذلّ كغيره من أبناء جلدته. وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ "المتوكل بن الأفطس" أنه أرسل له ردًا عجيبًا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم الناس جميعًا أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزّة فهي كائنة لا محالة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته: وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين. أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك "نافار" جد "ألفونسو السادس" قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا. ويضيف "المتوكل بن الأفطس" قائلًا: أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت. ما كان من "ألفونسو السادس" إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشًا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا "بطليوس"، لم يتجّرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعزّ الإسلامُ ورفع من شأن "المتوكل بن الأفطس" ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوّحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة. ثانيًا: ضعف وخور وذل وهوان لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس، ونحن لسنا في معرض الخوض في تفاصيل باقي الدويلات الاثنتين والعشرين؛ إذ هي موجودة في كتب التاريخ، ولكن نعرض لبعض الصور من باقي هذه الدويلات، تكفي لتصور الوضع في هذه الفترة، ومدى التدني الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس آنذاك. والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في "سرقسطة" التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم "سرقسطة" المنيّة أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيًا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف. يموت الأب وتمرّ الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسّم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم!! لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همّه أن يظل ملكًا على دويلته، وملكه لا بدّ وأن يعود إلى حوزته. |
رد: قصة الاندلس ...
مأساة بربُشْتَر
جاء النصارى بالفعل ودخلوا البلاد، وفي مملكة "سرقسطة" أحدثوا من المآسي ما يندّ له الجبين، ومن أشهر أفعالهم فيها ما عرف في التاريخ بمأساة بربُشْتَر. دخل النصارى على بربُشْتَر ( مدينة عظيمة في شرقي الأندلس من أعمال بربَطَانية) البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه قد اغتصبه منه، بدأ الأمر بالحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة 456 هـ= مايو 1064 م وظل مداه طيلة أربعين يومًا، والمسلمون في الداخل يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس، ولكن لا حراك، فالقلوب تمتلئ رهبة من النصارى، وأمراء المسلمين يعتقدون بأنهم ليس لهم طاقة بحربهم أو الدفاع عن إخوانهم ضدهم، وفكروا بأن يستعينوا بدولة أخرى غير تلك الدولة الصديقة المعتدية، وظلوا الأربعين يومًا يتفاوضون ويتناقشون حتى احتل النصارى بربُشْتَر. ما إن دخل النصارى بربُشْتَر، وفي اليوم الأول من دخولهم قتلوا من المسلمين أربعين ألفًا، (من رواية ياقوت الحموي، وهناك رواية أخرى تزيدهم إلى مائة ألف) وسبوا سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة (أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة) وأعطين هدية لملك القسطنطينية، وأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب؛ إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها وعلى الثيًب أمام زوجها، والمسلمون في غمرة ساهون. ومثل هذه الصورة لا نعدمها عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد، وليس ببعيد عنا ما قام به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك، حيث اغتصاب لخمسين ألف فتاة وقتل مائتين وخمسين ألف مسلم، غير ما حدث في كشمير وكوسوفا، وما يقومون به اليوم في فلسطين والعراق وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة. مأساة بَلَنْسِيَّة ومثلها أيضًا كانت مأساة بَلَنْسِيَّة في سنة 456 هـ= مايو 1064 م سنة 456 هـ= مايو 1064 م، حيث قتل ستون ألف مسلم في هجوم للنصارى عليها. ولم يتحرك من المسلمين أحد. غنى فاحش وأموال في غير مكانها رغم ما كان من صور الضعف والمآسي السابقة وأمثالها الكثير والكثير إلا إن أمراء المسلمين كانوا لاهين غير عابئين بما يدور حولهم، فقد كانوا يملكون من المال الكثير، والذي شغلهم بدنياهم عن دينهم، ومما جاء في ذلك أن زوجة حاكم إشبيلية المعتمد على الله بن عباد كانت تقف ذات مرة في شرفة قصرها فشاهدت الجواري وهن يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت نفسها أن تفعل مثلهن وتلعب في الطين، فما كان من حاكم إشبيلية (المعتمد على الله) إلا أن صنع لها طينًا خاصًا، فاشترى كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد، وخلطها وجعلها طينًا خاصًا بالملوك، حتى وإن كان من أموال المسلمين، لعبت زوجة الملك بهذا الطين ثم سأمت منه، ومرت الأيام وضاع ملك المعتمد على الله، وحدث شجار مع زوجته تلك في أحد الأيام فقالت له كعادة من يكفرن العشير: ما رأيت منك من خير قط، فرد عليها واثقًا: ولا يوم الطين؟! فسكتت واستحيت خجلًا من الأموال (أموال المسلمين) التي أُنفقت عليها في لُعبة كانت قد اشتهتها. ورغم ذلك فقد كان هناك الشعر الذي يصف "المعتمد على الله بن عباد" بكل صفات العزة والكرامة والعظمة والمجد والبأس، وغيرها مما هو مخالف للواقع، وبما يعكس صورة الإعلام المقلوبة في ذلك الوقت وفي كل وقت يعلو فيه الظلم وترتفع رايات الباطل وتتبدل فيه الموازيين. |
رد: قصة الاندلس ...
الأندلس بعد حصار إِشْبِيلِيّة
في سنة 478 هـ= 1085 م - كما ذكرنا - كانت قد سقطت طُلَيْطِلَة، ومنذ سقوطها في ذلك التاريخ لم تُعد للمسلمين حتى الآن، ثم حوصرت إِشْبِيلِيّة مع أنها كانت تقع في الجنوب الغربي للأندلس وبعيدة عن مملكة "قشتالة" النصرانية التي تقع في الشمال، وكاد المعتمد على الله بن عباد أن يحدث معه مثلما حدث مع بربشتر أو بلنسية لولا أن مَنّ الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين. وحيال ذلك فكّر أمراء المؤمنين في الأندلس في تلك الكارثة التي حلّت بدارهم، وكانوا يعلمون أنه إن عاجلًا أو آجلًا ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طُلَيْطِلَة واسطة العقد قد سقطت فمن المؤكد أن تسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وإِشْبِيلِيّة والكثير من حواضر الإسلام في الأندلس، فاتفقوا على عقد مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وكان أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي موحّد تجاه هذا الوضع. كان أول قرارات ذلك المؤتمر هو التنديد بشدة بالاحتلال القشتالي لطُلَيْطِلَة، فقشتالة دولة صديقة كيف تقدم على هذا الفعل غير العادي، لا بدّ أن تُشتكى قشتالة لدولة محايدة من دول المنطقة، حتى لا نكون محاربين لدولة صديقة، فنحن نريد السلام العادل والشامل في المنطقة كلها وهو خيارنا الوحيد خاصّة وأننا نمرّ بمنعطف خطير يهدد أمن البلاد وسلامتها والحرب لا يأتي منها إلا الدمار والخراب... ولأن الخير لا يُعدَم أبدًا في كل مكان وزمان، فقد اجتمع الأمراء ومعهم العلماء، وكان العلماء يفهمون حقيقة الموقف ويعرفون الحلّ الأمثل له فأشاروا بالجهاد، وهم يعلمون أن في التاريخ ما يثبت أن المسلمين إذا ما ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله كان النصر حتمًا حليفهم وإن كانوا قلة، فـ [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة: 249} قُوبل هذا الرأي بالرفض تمامًا، ورُدّ عليه بأنهم يريدون وقف نزيف الدماء، أهم ما في الأمر أن نوقف الحرب ونحاول حل الموقف بشيء من السلام مع "قشتالة"، نجلس مع "ألفونسو السادس" على مائدة المفاوضات، فربما تكون في نيته فرصة في أن يترك "طُلَيْطِلَة"، أو يأخذ جزءًا منها ويترك الباقي، ثم نعيش جنبًا إلى جنب في سلام وأمان، وكانت هذه إشارات مترجمة لحال الأمراء الرافضين لحل العلماء السابق. رأى العلماء استحالة الجهاد، حيث الذل والهوان قد استبدّ بالناس فألفوه، وظلوا لأكثر من سبعين سنة يدفعون الجزية ولا يتحرّجون من هذا العار، فمن الصعب أن يَدَعُوا الدنيا ويحملوا السلاح ويجاهدوا في سبيل الله، فأشار عليهم العلماءُ برأيٍ آخر يستبعدُ الجهاد وهو أن يرسلوا إلى دولة المرابطين، ويطلبوا منها أن تأتي وتقاوم النصارى وتهاجمهم في موقعة فاصلة تبعدهم بها عن أرضهم. ورغم عقلانية هذا الرأي إلا أن الأمراء لم يقبلوا به أيضًا؛ خوفًا من أن تسيطر دولة المرابطين القوية على أرض الأندلس بعد أن تهزم النصارى، وبعد جدال طويل فيما بينهم أنعم الله سبحانه وتعالى على رجل منهم وهو "المعتمد على الله بن عباد"، والذي كان منذ قليل قد لوّح باسم المرابطين ففكّ "ألفونسو السادس" الحصار عنه، فلم يجد مانعًا يمنعه - إذن - من الاستعانة بهم بالفعل... قال صاحب نفح الطيب: وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد - أي توقيعه على ظهر رسالة ألفونسو: والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين - وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه - أي صاروا مهمومين مما عزم عليه - ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه. زلزل هذا الخطاب قلوب البعض وحرّك فيهم مكامن النخوة، فقام "المتوكل بن الأفطس"، وهو الرجل الوحيد الذي لم يدفع الجزية طيلة حياته - كما ذكرنا ورأينا رسالته في ذلك - قام ووافق "المعتمد على الله" على هذا الأمر، ومن بعده قام "عبد الله بن بلقين" صاحب غرناطة ووافقه أيضًا، فأصبحت (غرناطة وإشبيلية وبطليوس) الحواضر الإسلامية الضخمة متفقة على الاستعانة بالمرابطين، في حين رفض الباقون، ووصفوا خطبة المعتمد على الله ابن عباد بالحماسية المنفعلة وفور موافقة الأمراء الثلاثة جعلوا منهم وفدًا عظيمًا مهيبًا، يضمُّ العلماء والوزراء، ليذهب إلى بلاد المغرب العربي، ويطلب العون من زعيم المرابطين هناك لينقذهم من النصارى المتربصين... دور الشعوب في تحقيق النصر لم يكن الأمراء هم أصحاب السبق في فكرة استدعاء المرابطين لنصرة المسلمين وحمايتهم من بطش النصارى بل سبقهم إلى ذلك العلماء والشعوب وكانت استجابة الأمراء جزءًا من التوجه الشعبي العام لاستدعاء المرابطين لنصرتهم، وقبل هذا الوفد الذي بعثه أمراء (غرناطة وإشبيلية وبطليوس) كانت الوفود الأخرى من عموم الشعب ومن العلماء قد ذهبت إلى يوسف بن تاشفين ( 410 - 500 هـ= 1019 - 1106 م ) قال صاحب الروض المعطار في خبر الأقطار: وكان يوسف بن تاشفين لا يزال يفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين الله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيستمع إليهم ويصغي إلى قولهم وترق نفسه لهم... |
رد: قصة الاندلس ...
مصلحون ولكن
كسنّة من سنن الله أيضًا في المسلمين فإن أعمال الخير والدعوات الإصلاحية لم تُعدم ولن تُعدم إلى قيام الساعة برغم ما يحدث مما هو في عكس طريقها؛ فقد كانت هناك محاولات إصلاحية في هذا العهد، وأخرى تبدي عدم موافقتها لهذا الوضع المزري في البلاد، لكنها كانت دعوات مكبوتة، لم تستطع أن ترى النور، يقول أحد الشعراء واصفًا هذه الفترة: مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ أَلْقَـابُ مُعْتَضِـدٍ فِيهَـا وَمُعْتَمِدِ أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا كَالهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَُورَةَ الْأَسَدِ فقد كان في كل بلد من بلاد الأندلس قادر بالله ومعتمد على الله ومعتضد بالله ومعتصم بالله ومستكفٍ بالله ومؤيد بالله، وكلهم يدفعون الجزية لألفونسو السادس بما فيهم حاكم إشبيلية (المعتمد على الله) والتي تقع في أقصى الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، والتي تبعد كثيًرا جدًا عن مملكة "قشتالة". كان من المصلحين في هذا العهد الفقيه الإسلامي المشهور ابن حزم، وأيضًا ابن عبد البر، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم الكثير من أبناء الأندلس نفسها، والحق أنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يُخرجوا الشعوب من هذا الموقف الحرج، ويجمّعوا الناس ويوحدوا الصفوف، لكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشرين دولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط. فمن الممكن الاتفاق على مبدأ الوحدة والتجمع، لكن العقبة عند الأمراء كانت تكمن فيمن سيكون الرئيس الأوحد، هل هو حاكم قرطبة أم هو حاكم إشبيلية، أم هو كل من يرى نفسه الأولى والأجدر؟! فإن كان الظاهر هو الاتفاق لكن الواقع الغالب كان رفض الوحدة، حتى في وجود مثل هؤلاء الأفاضل من علماء المسلمين؛ ففرطوا في واحدة من أعظم نعم الله تعالى على المسلمين، يقول تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] {آل عمرن:103}. تلك النعمة التي حذّر من التهاون فيها سبحانه وتعالى فقال: [وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] {الأنفال:46} وقال أيضا: [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {آل عمران:105}. وإنها لأسئلة يوجهها لسان الحال إلى هؤلاء الأمراء المنقسمين على أنفسهم: أما سمعتم عن عزّة الإسلام والمسلمين زمن عبد الرحمن الناصر في الدولة الإسلامية الموحدة، وكيف كانت؟! لماذا تفرطون في مثل هذه العزة في الدنيا وذاك الثواب العظيم في الآخرة؟! أمن أجل أيام معدودات على مدينة من مدن المسلمين تحكمونها؟! أم من أجل الاستكبار وعدم الرغبة في أن تكونوا تحت إمرة رجل واحد من المسلمين؟! أم من أجل التزلّف والاستعباد لملك من ملوك النصارى؟! |
رد: قصة الاندلس ...
سقوط طُلَيْطِلَة.. والبقية تأتي
ما زلنا في عهد ملوك الطوائف وقد تصاعدت المأساة كثيرًا في بلاد الأندلس، ففي سنة 478 هـ= 1085 م تسقط "طُلَيْطِلَة"... يسقط الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس تلك المدينة العظيمة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد "موسى بن نصير" و"طارق بن زياد" رحمهما الله. "طُلَيْطِلَة" التي فتحها طارق بن زياد بستة آلاف، فتحها بالرعب قبل مسيرة شهر منها... "طُلَيْطِلَة" الثغر الذي كان يستقبل فيه عبد الرحمن الناصر الجزية من بلاد النصارى، ومنه كان ينطلق هو ومن تبعه من الحكام الأتقياء لفتح بلادهم في الشمال... "طُلَيْطِلَة" المدينة العظيمة الحصينة التي تحوطها الجبال من كل النواحي عدا الناحية الجنوبية. وكان قد سبق سقوط "طُلَيْطِلَة" استقبالٌ لملك من ملوك النصارى مدة تسعة أشهر كاملة، حيث كان قد فرّ هاربًا من جرّاء خلاف حدث معه في بلاد النصارى، ومن ثَمّ فقد لجأ إلى (صديقه) المقتدر بالله حاكم "طُلَيْطِلَة"، والذي قام بدوره (حاكم طُلَيْطِلَة) في ضيافته على أكمل وجه، فأخذ يتجول به في كل أنحاء البلد، في كل الحصون وكل المداخل، وعلى الأنهار الداخلة لمدينة "طُلَيْطِلَة". وحين عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكمًا كان أول خطوة خطاها هي الهجوم على طُلَيْطِلَة، فقام بفتحها وضمها إلى بلاده، وقد كان معاونًا وصديقًا قبل ذلك، فكان كما أخبر سبحانه وتعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة:1}. فضَلّ المقتدر بالله سواء السبيل، وأَسَرّ لملك النصارى بأسرارها، فسقطت طُلَيْطِلَة. وبسقوط طُلَيْطِلَة اهتزّ العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وحدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، وفي تصوير بارع لهذا الإحباط نرى ابن عسّال أحد الشعراء المعاصرين لهذا السقوط يقول: شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ فَمَـا الْمَقَـامُ فِيهَـا إِلَّا مِـنَ الْغَلَطِ الثَّـوْبُ يَنْسَـلُّ مـِنْ أَطْرَافِهِ وَأَرَى ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولًا مِنَ الْوَسَطِ مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ كَيْفَ الْحَيَـاةُ مَـعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ وهي صورة عجيبة ينقلها ذلك الشاعر (إعلام ذلك الوقت) المحبط، حتى لكأنه يدعو أهل الأندلس جميعًا بكل طوائفه ودويلاته إلى الهجرة والرحيل إلى بلاد أخرى غير الأندلس؛ لأن الأصل الآن هو الرحيل، أما الدفاع أو مجرد البقاء فهو ضرب من الباطل أو هو (الغلط) بعينه، ولقد سانده وعضد موقفه هذا أن من الطبيعي إذا ما انسلّت حبة من العقد مثلا فإن الباقي لا محالة مفروط، فما الحال إذا كان الذي انسلّ من العقد هو أوسطه "طُلَيْطِلَة" أوسط بلاد الأندلس، فذاك أمر ليس بالهزل، بل وكيف يعيشون بجوار هؤلاء (الحيّات) إن هم رضوا لهم بالبقاء؟! فما من طريق إلا الفرار وشدّ الرّحال. |
رد: قصة الاندلس ...
حصار إِشْبِيلِيّة
مع هذا الحدث السابق المؤسف تزامن حصار إِشْبِيلِيّة، وإن تعجب فعجب لماذا تُحاصر إِشْبِيلِيّة وحاكمها يدفع الجزية لألفونسو السادس، وهي أيضًا بعيدة كل البعد عن مملكة قشتالة، حيث تقع في الجنوب الغربي من الأندلس؟! وإن العجب ليكمن خلف قصة هذا الحصار، حيث أرسل "ألفونسو السادس" حاكم "قشتالة" وزيرًا يهوديًا على رأس وفد إلى إِشْبِيلِيّة لأخذ الجزية كالمعتاد، فذهب الوفد إلى المعتمد على الله بن عباد وحين أخرج له الجزية وجد الوزير اليهودي يقول له متبجحًا: إن لي طلبًا آخر غير الجزية، فتساءل (المعتمد على الله) عن هذا الطلب، وفي صلف وغرور وإساءة أدب أجابه الوزير اليهودي بقوله: إن زوجة "ألفونسو السادس" ستضع قريبًا، وألفونسو السادس يريد منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة. تعجب المعتمد على الله وسأله عن هذا الطلب الغريب الذي لم يتعوده، فقال له الوزير اليهودي في ردّ يمثل قمّة في التحدي ولا يقل إساءة وتبجحًا عن سابقه: لقد قال قساوسة "قشتالة" لألفونسو السادس إنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم. وكعادة النفوس التي قد بقي بها شيء من عوالق الفطرة السوية أخذت الغيرة المعتمد على الله، فرفض هذا الطلب المزري ووافق على دفع الجزية فقط، وبطبيعته فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أساء الأدب وسبّه في حضرة وزرائه. وبنخوة كانت مفقودة قام المعتمد على الله وأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه، ثم اعتقل بقية الوفد، ثم أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس مفادها أنه لن يدفع الجزية ولن يحدث أن تلد زوجتك في مسجد قرطبة. جنّ جنون ألفونسو السادس، وعلى الفور جمع جيشه وأتى بحدّه وحديده، فأحرق كل القرى حول حصن إِشْبِيلِيّة الكبير، وحاصر البلاد، وطال الحصار فأرسل إلى المعتمد على الله: إن لم تفتح سأستأصل خبركم. طاول "المعتمد على الله" في التحصن خوفًا من نتيجة فكّ هذا الحصار، وفي محاولة لبثّ الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين والفتّ في عضدهم أرسل ألفونسو السادس رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول فيها: إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل. يريد وبكل كبرياء وغرور أن يخبره أن أكثر ما يضايقه في هذا الحصار هو الذباب أو البعوض، أما أنت وجيشك وأمتك وحصونك فهي أهون عندي منه. وبنخوة أخرى وفي ردّ فعل طبيعي أخذ "المعتمد على الله بن عباد" الرسالةَ وقلبها وكتب على ظهرها ردًا وأرسله إلى "ألفونسو السادس"... لم يكن هذا الردّ طويلًا، إنه لا يكاد يتعدى السطر الواحد فقط، وما إن قرأه "ألفونسو السادس" حتى تَمَلّكهُ الخوف والرعب والفزع وأخذ جيشه، ورجع من حيث أتى... تُـرى مـا هـو هـذا الـردّ؟!! في بداية عهد جديد من عهود الأندلس ودورة أخرى من دورات التاريخ بعد هذا الضعف وذاك السقوط، كانت رسالة "المعتمد على الله" إلى "ألفونسو السادس" - والتي أثارت الرعب والفزع في قلبه بمجرد أن قرأها فأخذ جيشه وعاد إلى "قشتالة" - كانت تلك الرسالة هي مهد ذلك العهد وبداية تلك الدورة الجديدة. فحين أرسل "ألفونسو السادس" رسالته المهينة إلى "المعتمد على الله بن عباد" يطلب منه متهكمًا مروحةً يروّح بها عن نفسه، أخذها "المعتمد على الله" وقلبها ثم كتب على ظهرها: والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين. لم يكن أمام المعتمد على الله غير أسلوب التهديد هذا، فقط لوّح بالاستعانة بالمرابطين، وقد كان "ألفونسو السادس" يعلم جيدًا من هم المرابطون، فهو مطّلع على أحوال العالم الخارجي، فما كان منه إلا أن أخذ جيشه وانصرف. تُرى من هم المرابطون الذين كانوا بمجرد أن تذكر أسماؤهم تتغير كل الأوضاع؟ إنهم أبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تملّكت كل مقوماتِ القوّة، تربّعت على المغرب العربي وما تحته، وقبل أن نتحدث عن دولتهم تلك؛ نتعرف أولًا على أحوال بلاد الأندلس بعد حصار إشبيلية؛ حتى نعي الوضع جيدًا قبل بداية عهدهم. |
رد: قصة الاندلس ...
ضاقت فلما إستحكمت حلقاتها ** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
للقصة بقية انتظرونا هنا بصدى الحجاج |
رد: قصة الاندلس ...
جزااااااااااااكي الله خيرااااااااااااااااا
|
الساعة الآن 20:32. |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. , Designed & TranZ By
Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
جميع الحقوق محفوظة لشبكة و منتديات صدى الحجاج